سعيد التمسماني
في لحظات سياسية معيّنة، لا تتحول اللقاءات الحزبية إلى مجرد مواعيد تنظيمية عابرة، بل تصبح مرآة تعكس طبيعة الرهانات الكبرى التي تواجه الأوطان، وتكشف حجم الوعي المطلوب لمواكبة التحولات المتسارعة التي يعيشها المجتمع والدولة. ومن هذا المنطلق، حملت دورة اللجنة المركزية لمنظمة الشبيبة الاستقلالية، التي ترأس افتتاح أشغالها الأمين العام للحزب نزار بركة ، رسائل سياسية عميقة تتجاوز الإطار التنظيمي الداخلي، لتلامس سؤالاً مركزياً يفرض نفسه اليوم بإلحاح: أي مكانة للشباب في مغرب المستقبل؟
الخطاب الذي وُجِّه إلى شباب الحزب لم يكن خطاب تعبئة تقليدياً قائماً على الشعارات، بل بدا أقرب إلى دعوة سياسية واضحة لإعادة بناء العلاقة بين الشباب والفعل العمومي، على أساس الثقة والمشاركة وتحمل المسؤولية. فالمغرب، وهو يدخل مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية، لم يعد في حاجة إلى شباب يُستدعى فقط في اللحظات الانتخابية أو يُستعمل كواجهة خطابية، بل إلى جيل يمتلك القدرة على المبادرة وصناعة القرار وقيادة التحولات الكبرى.
في العمق، تعكس هذه الرؤية إدراكاً متزايداً بأن معركة المغرب الحقيقية لم تعد فقط معركة البنيات التحتية أو المؤشرات الاقتصادية، بل أصبحت معركة الرأسمال البشري، أي معركة الإنسان المغربي نفسه. وفي قلب هذا الرهان يقف الشباب باعتباره القوة الأكثر قدرة على التجديد والابتكار ومواكبة العصر الرقمي والتحولات العالمية المتسارعة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا التوجه هو الانتقال من منطق “الإنصات للشباب” إلى منطق “تمكين الشباب”. فالفارق بين الأمرين كبير؛ لأن الاستماع وحده لا يصنع تحولاً، بينما يفتح التمكين الحقيقي الطريق أمام بروز نخب سياسية جديدة قادرة على ضخ دماء مختلفة داخل المؤسسات والأحزاب والمنتخبين والإدارة والاقتصاد والإعلام.
إن الرسالة الأساسية التي تبرز اليوم بقوة هي أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس فقط ضعف الموارد، بل انتشار ثقافة الإحباط وفقدان الثقة. لذلك، فإن التحذير من تيارات التيئيس والتشكيك لم يكن موقفاً سياسياً ظرفياً، بل تشخيصاً لواحد من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، حيث تحاول بعض الخطابات تحويل الشباب من قوة اقتراح وبناء إلى طاقة غضب وانسحاب وعدمية.
في المقابل، يبرز الرهان على بناء شباب يؤمن بالفعل السياسي النبيل، لا باعتباره صراعاً حول المواقع والمصالح، بل باعتباره وسيلة لخدمة الوطن والمساهمة في صناعة الحلول. وهذا التحول في الوعي ضروري اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن الفراغ السياسي لا يبقى فارغاً طويلاً؛ إذ غالباً ما تملؤه خطابات التطرف أو العبث أو التشكيك في المؤسسات والدولة.
ومن هنا، يكتسب الدور التاريخي لمنظمة الشبيبة الاستقلالية أهمية خاصة، ليس فقط كتنظيم موازٍ داخل حزب سياسي عريق، بل كفضاء لصناعة النخب وتأهيل الكفاءات وتكوين أجيال جديدة مؤمنة بقيم الوطنية والديمقراطية والعمل الجاد. فالتجارب السياسية الكبرى لا تُقاس فقط بعدد المقاعد أو المواقع، بل بقدرتها على إنتاج أطر وكفاءات تواصل حمل المشروع الوطني عبر الأجيال.
لقد أثبت المغرب، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن بناء مغرب قوي وحديث لا يمكن أن يتحقق دون إشراك شبابه في القرار السياسي والاقتصادي والثقافي. فالشباب ليسوا مجرد فئة اجتماعية ضمن المجتمع، بل هم قلب المشروع الوطني ومحركه الحيوي.
ولهذا، فإن مغرب الغد لن يُبنى فقط بالمشاريع الكبرى والطرق والموانئ، بل ببناء جيل يمتلك الثقة في نفسه، ويشعر أن له مكاناً حقيقياً داخل وطنه ومؤسساته وأحزابه واقتصاده. جيل يناقش بدل أن ينسحب، ويشارك بدل أن يقاطع، ويقترح الحلول بدل الاكتفاء بانتقاد الواقع.
إن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد فقط في تحرير الأرض كما فعلت أجيال الحركة الوطنية، بل في تحرير طاقات الشباب المغربي، وإطلاق قدرته على الإبداع والتأثير والقيادة. وهناك فقط، يبدأ الاستقلال الجديد للمغرب.