مصطفى الحيسوني: إلى تجار الانتخابات.. كفى من بيع الأوهام للشباب والعاطلين والفقراء بشعارات فارغة

مصطفى الحيسوني: إلى تجار الانتخابات.. كفى من بيع الأوهام للشباب والعاطلين والفقراء بشعارات فارغة مصطفى الحيسوني

غريبٌ أمرُ بعض المطبلين للحالمين الجدد الذين يتهيّؤون لانتخابات 2026، وكأنّ الوطن صار مسرحاً مفتوحاً لكل من امتلك المال أو الضجيج أو جيشاً إلكترونياً يلمّع صورته قبل الأوان.

حملات انتخابية سابقة لأوانها، ووعود تُباع بالجملة، وصناعة وهمٍ جماعي بأنّ “المنقذ” قد وصل، بينما القانون يُداس تحت الأقدام فقط لأنّ البعض يعتقد أنّ النفوذ أقوى من المؤسسات.

الأخطر من ذلك، أن هناك من يريد إقناع الناس بأنّ الديمقراطية ستولد فجأة على يد وجوهٍ لم تختبر سوى لغة المصالح، أو على يد أبناء الامتياز السياسي الذين يعتبرون المقاعد الانتخابية إرثاً عائلياً يُورَّث كما تُورَّث العقارات.

من كان أبوه رئيس جماعة، أو قريبُه برلمانياً، أو تحيط به شبكات المصالح، يعتقد أن الطريق مفروش له تلقائياً، وأن المواطنين مجرد أرقام تُستدعى كل خمس سنوات ثم يُعاد ركنها في الهامش.
الديمقراطية ليست “سباق إشهار”، وليست حفلة استعراض للسيارات الفاخرة والولائم والصور المعدّلة باحتراف.
الديمقراطية مسؤولية، وكفاءة، ونزاهة، واحترام للقانون قبل طلب أصوات الناس.

أما من يبدأ خرق القانون قبل انطلاق الحملة الرسمية، فبأي أخلاق سياسية سيحكم لاحقاً؟ ومن يعتبر نفسه فوق المساءلة اليوم، لن يحترم إرادة المواطنين غداً.
كفى من تحويل السياسة إلى تجارة موسمية.
كفى من بيع الأوهام للشباب والعاطلين والفقراء بشعارات محفوظة تُستخرج فقط عند اقتراب الانتخابات.

وكفى من صناعة “أبطال ورقيين” لا يظهرون إلا أمام الكاميرات، ثم يختفون عندما يتعلق الأمر بمشاكل الصحة والتعليم والبطالة والكرامة.
الناس لم تعد ساذجة كما يعتقد البعض.
المغاربة صاروا يفرّقون بين من يخدم الوطن بصمت، ومن يخدم صورته بصخب.
وصندوق الاقتراع ليس ضيعة خاصة، ولا مكافأة اجتماعية، ولا امتداداً لعلاقات العائلة والمال والنفوذ.
ومن يظن أن شراء الولاءات أو استغلال الفقر أو اللعب على العواطف سيمنحه الشرعية، فهو واهم.
الشرعية تُبنى بالعمل النظيف، وبالاحترام الحقيقي لعقول المواطنين، لا بحملات مبكرة تُدار في الظل وكأن القانون وُضع فقط للضعفاء.
السياسة ليست مهنة لمن فشل في كل شيء آخر، وليست ملجأً للباحثين عن الحصانة والامتيازات.
السياسة موقف وأخلاق، ومن لا يحترم قواعدها قبل الوصول، لن يحترم الدولة بعد الوصول.

 

الدكتور مصطفى الحيسوني، أستاذ وباحث في القانون الدولي والملاحة التجارية.