زهير حميدوش: التهافت التشريعي

زهير حميدوش: التهافت التشريعي زهير حميدوش

إن المفارقة الأكثر دلالة، أن يتحول التشريع، في وعي بعض الفاعلين، من آلية لتنظيم مجال محدد إلى فرصة لإعادة اقتسامه. فعدد من النقاشات المثارة حول مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة لا تكشف فقط عن اختلاف في التصورات المهنية أو التقنية، بل تفضح شيئا أعمق، نزوع فئات خارج البنية العضوية للمهنة إلى التعامل مع النص القانوني بمنطق “الولوج الحر”، أي تحويل التشريع إلى معبر لاكتساب مواقع ومكتسبات داخل حقل مهني له توازناته الخاصة.

هنا، لا يعود القانون إطارا ضابطا للمهنة، بل يغدو موضوع تنازع رمزي بين فئات ترى في نفسها أهلية فوق-مهنية تخول لها حق إعادة تشكيل المجال وفق مصالحها الخاصة. ولذلك يبدو جزء من السجال الدائر اليوم أقل ارتباطا بجودة العدالة أو تطوير المرفق الحقوقي، وأكثر اتصالا بإعادة توزيع الامتيازات والشرعيات داخل سوق مهني ذي حمولة اجتماعية ورمزية معتبرة.

إن ما يثير الانتباه، تحديدا، هو هذا الانتقال الخفي من منطق “تنظيم المهنة” إلى منطق “اقتسام المهنة”. وهو انتقال يكشف اختلالا عميقا في تصور عدد من الفاعلين لوظيفة التشريع ذاته؛ إذ لم يعد القانون، في هذا التصور، تعبيرا عن حاجة موضوعية تخص المجال المعني، وإنما مناسبة لفرض مطالب فئوية عابرة للمجالات، تحت غطاء الكفاءة أو الاستحقاق الأكاديمي أو الانفتاح المؤسساتي.

ومن هنا، فإن السجال حول مشروع قانون المحاماة يتجاوز، في عمقه، مجرد الخلاف حول شروط الولوج أو طبيعة التكوين أو الامتيازات المهنية، ليطرح سؤالا أكثر حرجا: هل ما يزال التشريع يُنتج انطلاقا من خصوصية الحقول ووظائفها، أم أنه أصبح خاضعا لمنطق التهافت الفئوي، حيث تسعى كل جماعة إلى التمدد داخل المجالات الأخرى كلما سنحت لحظة تعديل قانوني؟

ثمة لحظات يفقد فيها التشريعُ معناها الأصلي بوصفه أداة لضبط المجال، ليتحوّل إلى ساحة اقتسام رمزي ومادي بين جماعات الضغط، حيث لا يعود القانون أداة لتنظيم المجال، بل مناسبة لإعادة توزيع النفوذ داخله. في هذه اللحظة بالذات، يتراجع سؤال الوظيفة لصالح سؤال الحصص، ويتقهقر منطق التوازن لفائدة منطق الطائفة المهنية، وتغدو النصوص القانونية أشبه بخرائط نفوذ.

ما يثير الانتباه في عدد من النقاشات الدائرة حول بعض مشاريع القوانين المهنية، ومنها مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، ليس فقط حدة السجال، وإنما طبيعة التمثلات الكامنة خلفه؛ إذ يبدو أن فاعلين عديدين لا يتعاملون مع التشريع باعتباره بنية مجردة تؤطر المجال وتوازن بين مقتضياته، بل باعتباره فرصة تاريخية لاقتطاع امتيازات فئوية داخل مجال اشتغال ليس بالضرورة مجالهم الطبيعي. هنا ينزلق النقاش نحو نزعة تملكية مبطنة، قوامها الاعتقاد بأن كل رأسمال رمزي أو أكاديمي أو إداري يخول لصاحبه حق التمدد داخل كل الحقول.

إن أخطر ما يفضحه هذا النمط من السجال هو اختلال العلاقة بين الاختصاص والرغبة. فليس كل امتلاك للمعرفة يمنح حق الوصاية على المهن، كما أن التماس مع المجال لا يبرر ابتلاعه. ذلك أن بعض الفاعلين يتصرفون بمنطق “الاستحقاق الشامل”، حيث تتحول الجامعة، أو الإدارة، أو الرأسمال الرمزي عموما، إلى مبرر ضمني للمطالبة بامتيازات داخل مهن قائمة بذاتها، لها أعرافها وتقاليدها وتوازناتها ووظيفتها الخاصة.

والحال أن المهن الحرة، وفي مقدمتها المحاماة، ليست مجرد فضاءات تشغيلية قابلة لإعادة الهندسة وفق رغبات الفاعلين الخارجيين، بل هي مهنة قانونية واجتماعية ذات حمولة تاريخية وأخلاقية ورمزية، تتجاوز بعدها التقني. فالمحاماة، في جوهرها، ليست شهادة جامعية تُستثمر، وإنما تموقع داخل بنية العدالة، بما يقتضيه ذلك من استقلالية وتقاليد ومراكمة وتجربة ميدانية. لذلك فإن اختزالها في مجرد “سوق للولوج” يكشف نزعة أداتية فجة، ترى في القانون سلما للترقي الاجتماعي.

الأدهى من ذلك أن هذا التهافت الفئوي يُنتج مفارقة عجيبة، فكل جماعة تطالب، باسم الكفاءة أو الانفتاح، بإعادة تشكيل المهن وفق مصالحها الخاصة، لكنها في العمق تمارس أكثر أشكال الانغلاق فجاجة، لأنها تنظر إلى التشريع من زاوية ما يمكن أن تمنحه النصوص لها، لا ما يمكن أن تمنحه للمجال نفسه. وهكذا يغدو خطاب انفتاح ذاته مجرد قناع بلاغي لنزعة ريعية مقنّعة.

إن بناء المجالات المهنية لا يتم بتغوّل الفئات داخل بعضها البعض، ولا بتحويل النصوص القانونية إلى غنائم مؤجلة، بل ببناء حدود واضحة بين الحقول، تحفظ استقلاليتها وتكاملها معا. فحين يصبح كل مشروع قانون مناسبة لحرب تموقعات، تفقد المؤسسة التشريعية هيبتها، ويتحول النقاش العمومي إلى مجرد تحكيم بين اللوبيات، وليس فضاء لإنتاج تصور متماسك للمجال.

المشكلة، إذن، ليست في اختلاف وجهات النظر حول مشروع قانون معين، فذلك طبيعي وصحي، بل في الخلفية الذهنية التي تؤطر هذا الاختلاف، خلفية ترى القانون بمنظار الامتياز، وبمنطق الاقتناص. بما يشرعن الأنانية الفئوية تحت غطاء النقاش المؤسساتي، ويحول التشريع إلى موضوع شهوة جماعية.

زهير حميدوش، محام وباحث في العلوم السياسية