الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ في قاعة الشعب الكبرى ببكين
لم تكن زيارة ترامب الأخيرة إلى الصين زيارة بروتوكولية عابرة، بل بدت لحظة سياسية ثقيلة بالتاريخ والرموز، حتى شبّهها كثيرون بأهم زيارة أمريكية لبكين منذ زيارة نيكسون التي غيّرت وجه العالم في سبعينيات القرن الماضي. غير أن الفارق هذه المرة أن الصين لم تعد تلك الدولة المنعزلة التي تبحث عن اعتراف أمريكي، بل قوة كبرى تبتسم بثقة إمبراطورية صاعدة، بينما تقف أمريكا أمام مرآة التاريخ متوجسة من صعود منافس يعرف جيداً كيف يتحدث بلغة الاقتصاد حيناً، وبلغة التاريخ حيناً آخر. ومن هنا جاء استدعاء الرئيس الصيني لـ«فخ ثوسيديدس»، لا كحكاية يونانية قديمة، بل كرسالة مشفّرة عن مصير الإمبراطوريات حين يأكلها الخوف أكثر مما تَهزِمُها الحروب.
في قاعةٍ تفيض بالبروتوكول أكثر مما تفيض بالدفء، جلس الرئيس الأمريكي يستمع إلى نظيره الصيني وهو يتحدث بهدوء معلّم كونفوشي عجوز يعرف أن الكلمات الحقيقية لا تُقال مباشرة، بل تُلقى كالحصى في الماء، ثم يُنتظر ارتجاج الدوائر. وحين استحضر الرئيس الصيني “فخ ثوسيديدس”، لم يكن يستدعي مؤرخاً يونانياً ميتاً منذ ألفي عام، بل كان يوقظ شبح التاريخ نفسه ليتجول بين المقاعد الوثيرة، وبين أكواب الشاي الفاخرة، وبين وجوه المستشارين الذين فهموا فوراً أن الرجل لا يحكي حكاية قديمة، بل يكتب تحذيراً مهذباً بلغة الإمبراطوريات.
ثوسيديدس، ذلك الإغريقي الذي وصف الحرب البيلوبونيسية، قال عبارته الشهيرة “إن صعود أثينا وما أثاره من خوف في إسبارطة جعلا الحرب حتمية”. ومنذ ذلك الوقت، تحوَّلت الجملة إلى لعنة سياسية تلاحق كل قوة صاعدة وكل قوة تخشى أفولها. الصين اليوم هي أثينا الجديدة، عملاق اقتصادي يزداد ضخامة كل صباح، والولايات المتحدة هي إسبارطة المتوجسة التي ترى في كل ميناء صيني، وكل مصنع، وكل شريحة إلكترونية، طبول حرب مؤجلة.
المُفارقة الساخرة أن الطرفين يعرفان تماماً أن الحرب ستكون كارثة عليهما معاً. الصين تعرف أن ازدهارها قام على الأسواق الأمريكية، وأمريكا تعرف أن رفاهية مواطنيها مُعلّقة بخيوط المصانع الصينية. إنهما أشبه بتاجرين يهدد كل منهما بحرق متجر الآخر، بينما النار ستمتد حتماً إلى البناية كلها. ومع ذلك، يواصل التاريخ هوايته المفضلة بِدفع العُقلاء نحو الهاوية وهم يرددون أنهم لا يريدون السقوط.
كان الرئيس الصيني يتحدث بلغة التاريخ، بينما بدا المشهد كأن الرجل يلقي قصيدة فلسفية أمام جمهور جاء ليستمع إلى إعلان تخفيضات في البورصة. ولعل أكثر ما يثير الدهشة ليس التلميح نفسه، بل الفجوة الحضارية بين رجل يستدعي ثوسيديدس من القرن الخامس قبل الميلاد، ورجل آخر بالكاد يجد الوقت بين تغريدة وأخرى ليتذكر أسماء مستشاريه. لم يكن ضرورياً أن يفهم ترامب الإشارة فوراً، فالدول العظمى لا تعتمد دائماً على فهم رؤسائها، بل على جيوش من الخبراء الذين يمضون الليل يشرحون للرئيس صباحاً لماذا كان خصمه يبتسم بطريقة ساخرة.
يمكن تخيل المشهد لاحقاً داخل البيت الأبيض، مستشار للأمن القومي يفتح ملفاً سميكاً ويقول بجدية أكاديمية:
“سيدي الرئيس، الصينيون لا يقصدون أثينا حرفياً.”
فيرد ترامب بدهشة صادقة:
“أثينا؟ تقصدون اليونان؟ ظننت الرجل يتحدث عن السياحة!”
لكن خلف هذه السخرية تكمن حقيقة أكثر قسوة، التاريخ لا يُكرر نفسه لأنه غبي، بل لأن البشر يكررون غرورهم بالطريقة ذاتها. إسبارطة لم تكن تريد الحرب، وأثينا لم تكن تريد الخراب، ومع ذلك سالت الدماء ثلاثين عاماً حتى خرج المنتصر مهزوماً والمهزوم مدمَّراً. وكأن الحضارات الكبرى لا تتعلم إلا بعد أن تتحول مكتباتها إلى رماد.
الصين تُدرك أن أمريكا تخاف صعودها، وأمريكا تُدرك أن الصين لم تعد مجرد “مصنع العالم”، بل مشروع إمبراطورية كاملة بثقة عُمرُها آلاف السنين. هنا يصبح “فخ ثوسيديدس” أكثر من مجرد نظرية سياسية، إنه وصف نفسي للحظة التي تتحول فيها القوة إلى خوف، والخوف إلى سوء ظن، وسوء الظن إلى سباق تسلح، ثم إلى حادث صغير في بحر بعيد قد يُشعل العالم كله.
ويا للمفارقة… بعد ألفين وخمسمائة عام من الفلسفة، والديمقراطية، والجامعات، والذكاء الاصطناعي، ما تزال البشرية تُدار بالمشاعر البدائية نفسها، مشاعر الخوف من الآخر حين يكبر أكثر مما ينبغي.
ربما لهذا استحضر الرئيس الصيني ثوسيديدس لا ليُهدد، بل ليقول للأمريكيين: “احذروا… فالتاريخ يحب السخرية من الأقوياء”. الإمبراطوريات مهما بلغت عظمتها، تبدو في النهاية كرجال أثرياء يتشاجرون داخل قصر مشتعل، كل واحد منهم يصرخ منتصراً بينما السقف ينهار فوق الجميع، وللتاريخ بقية..
Principio del formulario
Final del formulario