خالد أخازي
مشهد دبلوماسي عشناه في استغراب وخرج...
مشهد غارق في الخطاب الأنيق ...وبلغة المغاربة..." الصواب"
الذي يليق برأي في التعليم...
بلغة المحللين ما قاله ماكرون الفصيح في لغته خلافا لبرادة الطريح في لغة " الريادة" ...يفتح قوسا على سؤال وجودي للفروكفونية التي " خرجت" أمثال برادة"... السؤال الوجودي..." إن لم ينوه ماكرون بإنجازات برادة... الذي يجيد لغة موليير، ويتعثر عند قراءة جملة من فاعل وفعل... بالعربية... فمن ينوه به... وشبح الانجلوساكسونية يطارد نموذجه ومعقله اللغوي... وظلال الصين تدق أبواب معاقل فرنسا..؟
الابتسامات الماكرونية... بشهادتها... كأنه يقيم سلاحا فرنسيا... حتما أثلجت صدر خريج مدرسة هي نفسها من صنعت ماكرون وبرادة والكثيرين.... من جبهة المقاومة ضد اللافروكفونية....
جميل ذاك الخطاب الماكروني... الذي وزع الرضا وشهادات التقدير بلغة المفتش التربوي الدولي الذي يحلل قطاع التعليم في المغرب... فالتصريح في ظاهره يحمل الكثير من الود والدبلوماسية الناعمة لكنه في عمقه يطرح سيلا من الأسئلة الساخرة والمفارقات العجيبة التي لا يمكن أن تمر دون أن نتوقف عندها بعين النقد والتهكم...
فمنذ متى أصبح الإليزيه غرفة عمليات لتقييم المناهج البيداغوجية في دول الجنوب؟ وكيف يمكن لرئيس دولة أن يقيم نظاما تعليميا معقدا بكلمتين عابرتين في مؤتمر صحفي لا يتسع وقته حتى لشرب فنجان قهوة براحة؟ يبدو أن السياسة حين تفلس في إيجاد حلول حقيقية تلجأ إلى لغة المجاملات الفضفاضة وتحول القضايا المصيرية كالتعليم إلى مجرد أوراق لعب في طاولة المفاوضات الجيوسياسية حيث يتم تبادل الإشادات كما تتبادل الهدايا التذكارية دون النظر إلى ما يختلج في بطون الأقسام ومدارس القرى المنسية.
التعليم في أبجديات العلوم الإنسانية والمقاربات السوسيولوجية هو عملية تراكمية بطيئة يقاس نجاحها بعد عقود من الزمن وتخضع لمؤشرات صارمة تعتمد على جودة التعلمات الأساس وقدرة المدرسة على تحقيق التحول المجتمعي ومدى توفر تكافؤ الفرص بين ابن القرية النائية وابن العاصمة المخملية. لكن حين تتدخل السياسة يتم مسح كل هذه القواعد بجرة قلم ويتحول التقييم إلى مجرد خطاب مجاملة يصلح للاستهلاك الإعلامي وتلميع واجهات التعاون الثنائي...
إن إشادة ماكرون لا تعكس قراءة فاحصة لتقارير اليونسكو أو المجلس الأعلى للتربية والتكوين بل تعكس رغبة جامحة في الحفاظ على شعرة معاوية مع حليف استراتيجي عبر العزف على وتر الإنجازات حتى وإن كانت هذه الإنجازات في قطاع يئن تحت وطأة أزمات هيكلية مزمنة يعرفها المغاربة أكثر من غيرهم ويدفعون ضريبتها من جيوبهم وأعصابهم كل صباح وهم يرافقون أبناءهم إلى بوابات المدارس.
المفارقة التي تحز في القلب هي أن هذه الشهادة التقديرية تأتي من رئيس دولة يعيش نظامه التعليمي أسوأ أيامه على الإطلاق...
فالعالم يدرك أن فرنسا التي طالما صدرت للعالم أسطورة المدرسة الجمهورية وصورت نفسها كمنارة للفكر والأنوار تغرق اليوم في وحل أزمات تربوية لا حصر لها... نكاد نسمع يوميا صدى الشوارع الباريسية التي تضج باحتجاجات الأساتذة الذين يطالبون بتحسين أوضاعهم وتخفيف الضغط عليهم. وفي هذا السياق فالتقارير الدولية وعلى رأسها تصنيفات برنامج بيزا التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توجه صفعات متتالية للغرور الفرنسي مؤكدة تراجع مستوى التلاميذ في الرياضيات والعلوم والقراءة بشكل يدق ناقوس الخطر دون الوقوف طويلا على النقص الحاد في الأطر التعليمية الذي دفع الحكومات الفرنسية المتعاقبة إلى توظيف أساتذة بعقود سريعة وتكوين بئيس لسد الخصاص في ظاهرة غير مسبوقة.
كيف يمكن إذن لمن بيته من زجاج مكسور أن يرمي جيرانه بالورود ويقيم متانة جدرانهم؟ يبدو أن ماكرون فضل الهروب من صداع النقابات التعليمية في بلاده ومن انتقادات المعارضة التي تجلده يوميا بسبب تدهور المدرسة العمومية الفرنسية ليأتي إلى المغرب ويوزع النقاط الجيدة في محاولة بائسة لتقمص دور المعلم الكوني الذي فقد بوصلته في عقر داره. إنها متلازمة المركز والأطراف حيث يعتقد المستعمر القديم أنه ما يزال يمتلك التفويض الإلهي لتوزيع صكوك الغفران التنموية على دول الجنوب متناسيا أن شمس الحقيقة تفضح هذه الازدواجية وأن فاقد الشيء حتى وإن امتلك سحر الكلمات الغارقة في شعبوية" ديباوماسية" لا يمكنه أن يفتي فيه.
قإذا ما انتقلنا من باريس إلى الدار البيضاء أو جبال الأطلس محاولين البحث عن صدى لهذه الإشادة الماكرونية في الواقع المغربي سنصطدم بجدار سميك من التناقضات المضحكة المبكية. فالمسؤولون عن القطاع سيسارعون بالتأكيد إلى تلقف هذه الكلمات كأنها وحي يوحى وسيتم تداولها في نشرات الأخبار كدليل قاطع على نجاح الرؤى الاستراتيجية والمخططات الاستعجالية والنماذج التنموية التي تناسلت وتكاثرت حتى نسينا أسماءها. سيخرج علينا منظرون ليؤكدوا أن شهادة الإليزيه هي تتويج لمسار من الإصلاحات التي شملت تعميم التعليم الأولي وإدخال الرقمنة، في المقابل لو قمنا بدعوة الرئيس الفرنسي في جولة غير مبرمجة سلفا بعيدا عن المدارس النموذجية التي تطلى جدرانها خصيصا للزيارات الرسمية وأخذناه إلى حجرة دراسية في قرية نائية حيث يجلس خمسون تلميذا يتشاركون طاولات متهالكة في طقس زمهرير بدون تدفئة فهل كان سينطق بنفس كلمات الإشادة؟
الواقع المغربي مليء بالقصص التي تفند الخطاب الدبلوماسي الشعبوي. فنحن نتحدث عن نظام تعليمي يعيش حالة من الانفصام الحاد... فمن جهة هناك جيوب من التميز واستثمارات ضخمة في بعض البنيات ومن جهة أخرى هناك ملايين الأسر التي تفرغ جيوبها وتستدين لتدريس أبنائها في القطاع الخاص هروبا من شبح الهدر المدرسي والاكتظاظ المريع في المدارس العمومية، هذا الضغط الاجتماعي والاقتصادي على الأسر وتلك المسيرات اليومية للأساتذة والأطر الإدارية بحثا عن كرامة مهنية وتسوية لوضعياتهم الإدارية المعقدة لا يمكن أن تحجبها تصريحات سياسية مجاملة. لا يمكن اختزال المدرسة في المغرب في أرقام بهلوانية وفي عروض بصرية توضع على طاولات المفاوضات بل هي معاناة يومية ومستقبل جيل كامل ما يزال يبحث عن موقع قدم في مسار تنموي متعرج.
أظن أن وراء هذا الغزل الدبلوماسي أجندات جيوسياسية شديدة التعقيد... فالتعليم في القاموس الفرنسي ليس قطاعا خدماتيا بل هو السلاح الأقوى في ترسانة القوة الناعمة، ففرنسا تدرك جيدا أن نفوذها الثقافي والاقتصادي في إفريقيا يتراجع بشكل مخيف أمام زحف قوى أخرى كالصين والولايات المتحدة وأمام صعود أجيال جديدة تطالب بالتحرر من عقدة اللغة الفرنسية والانفتاح على اللغة الإنجليزية لغة العلم والابتكار. في هذا السياق يصبح مدح التعليم المغربي الذي لا يزال يحتفظ بمكانة قوية للغة موليير في مناهجه رغم محاولات التنويع بمثابة رشوة سياسية ناعمة وهدية مجانية الهدف منها تثبيت الروابط الكلاسيكية وضمان استمرار التبعية الثقافية بطرق مبتكرة وحديثة، هنا يتجلى خبث السياسة في أبهى صوره فالرئيس الفرنسي لا يتحدث عن التعليم من منظور حقوقي يهدف إلى تحرير العقل المغربي وبناء إنسان ناقد ومستقل بل يتحدث عنه كمجال حيوي لتفريخ مستهلكين للثقافة الفرنسية ويد عاملة مؤهلة يمكن استقطاب أفضل عقولها لاحقا لسد النقص في المستشفيات والمختبرات وشركات الهندسة الفرنسية. إنها هجرة الأدمغة المقنعة بعبارات التعاون والشراكة. يشيدون بتعليمنا لأن بعض مؤسساتنا لا تزال تنجب لهم مهندسين وأطباء جاهزين للعمل بأقل تكلفة دون أن تكلف الميزانية الفرنسية سنتا واحدا في تكوينهم الأساس. هذا هو الاستثمار الحقيقي الذي يجعل ماكرون يبتسم أمام برادة " الفرح جدا " بشهادة لا تصلح لبناء رؤية عملية.
من زاوية أخرى تعكس هذه الحادثة عقدة أبدية تعاني منها أنظمتنا المؤسساتية وهي الحاجة الدائمة إلى الاعتراف الخارجي وتحديدا من المستعمر السابق. فنحن مع الأسف لا نثق في تقييماتنا الذاتية ولا نأخذ صرخات خبراء التربية المغاربة ومناشدات النقابات المحلية على محمل الجد بل ننتظر بفارغ الصبر أن يخرج مسؤول أجنبي ليربت على أكتافنا ويقول لنا إننا نسير في الطريق الصحيح... هذا الاستلاب التقييمي يحول بعض مسؤولينا وخصوصا خريجي العقل" الفرنسي" إلى تلاميذ كبار يقفون في طابور طويل ينتظرون نقطة الاستحسان من مدير المدرسة الباريسية.
هل لم ننضج بعد لنعي أن سيادة الدول تبدأ من استقلالها في تقييم أزماتها وأن الإشادة الحقيقية الوحيدة التي تستحق الاحتفاء هي تلك التي تنبع من قلب المجتمع حين يجد الشاب الخريج وظيفة تصون كرامته وحين تجد الفتاة القروية مدرسة قريبة من خيمتها تأويها من قسوة الجهل والطبيعة.
فالتعليم قاطرة ثقيلة لا يمكن دفعها بكلمات دبلوماسية أو شراكات تخفي أجندة غير معلنة. فبناء عقول قادرة على المنافسة في قرن مليء بالتحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي يتطلب قرارات مؤلمة وميزانيات ضخمة وقبل كل شيء إرادة سياسية حقيقية لانتشال المدرسة العمومية من براثن الخوصصة المتوحشة والارتجال المنهجي. كما أن المناهج الدراسية تحتاج إلى ثورة تقطع مع الحفظ والتلقين وتعلن القطع من مدرسة الريادة، القاتلة للتميز والموهبة... تلك المدرسة التي أقصى ما تصنعه " يدا عاملة تجيد الحساب والقراءة والكتابة"... بلا عقل نقدي ولا طموح ابتكاري...
فالمغرب لا يحتاج منظومة تربوية تغتال ثقافة النقد والإبداع والتنوع... والمدرس يحتاج إلى أن يستعيد مكانته الرمزية والمادية داخل المجتمع بعيدا عن المقاربات المستوردة والضبط البيروقراطي البيداغوجي القاتل..
هذه هي التحديات الحقيقية التي لا يراها السيد ماكرون من شرفة الإليزيه ولا تهمه في شيء ما دام عقد الشراكة الاقتصادية قد تم توقيعه بنجاح وما دامت مصالح بلاده مضمونة في صفقات القطارات الفائقة السرعة ومشاريع الطاقة.
لو قمنا بعملية جرد تاريخية بسيطة لمسار التعليم في بلداننا لوجدنا أننا أمضينا عقودا في استنساخ التجربة الفرنسية بحذافيرها متجاهلين خصوصياتنا الثقافية والمجتمعية...وعندما بدأت تلك التجربة تثبت فشلها الذريع شرعنا في ترقيعها بوصفات هجينة مستوردة من هنا وهناك مرة نتجه نحو المقاربة بالكفايات الكندية ومرة نغازل البيداغوجيا الإدماجية البلجيكية وكل ذلك يتم بخلفية فرنكوفونية تأبى أن تندثر. فكيف لماكرون ألا يمدح نظاما تعليميا هو في جوهره انعكاس مشوه لنظامه أو بالأحرى حقل تجارب خلفي تصدر إليه النظريات التربوية بعد أن تكون قد استنفدت صلاحيتها في موطنها الأصلي؟ إنها دائرة مفرغة من الاستنساخ والتبعية تجعلنا نقف أمام مرآة مكسورة تعكس صورة هجينة لا نحن فيها حافظنا على أصالتنا ولا نحن التحقنا بركب الحداثة الفاعلة. الإشادة الفرنسية في هذا السياق تبدو وكأنها ضحكة مكتومة على تلميذ لا يزال ينقل أجوبته من ورقة زميله المتعثر ظانا أنه سيحصل على العلامة الكاملة.
وضع الأمور في نصابها الصحيح هو مدخل الوعي بأعطابنا التربوية....والتعامل مع التصريحات السياسية بحذر هو ما يمكننا من فرز سم المجاملة من خطاب شعبوي دبلوماسي... فإشادة الرئيس الفرنسي بتعليمنا هي في أحسن أحوالها زلة لسان دبلوماسية وفي أسوأ أحوالها مناورة ذكية للالتفاف على التحديات الحقيقية التي تواجه العلاقة بين بلدين غير متكافئين في موازين القوى. الأهم من كل هذا هو ألا يقع برادة في فخ الغرور وألا يحول هذه المجاملة إلى إنجاز وطني يطبل له في المحافل.... فطريق الإصلاح التربوي في المغرب ما يزال طويلا وشاقا ومليئا بالأشواك ولا يمكن اختزاله في شهادة حسن سلوك تأتي من ماكرون. ستتلاشى الكلمات بمجرد انتهاء المؤتمر الصحفي وتبقى الحقيقة المرة راسخة في عقول ملايين التلاميذ الذين يذهبون كل صباح للبحث عن بصيص أمل في فصول دراسية تحتاج إلى المعجزات أكثر مما تحتاج إلى إشادات ماكرون وتصريحاته الساخرة بطبيعتها.
عناوين مقترحة
خالد أخازي، كاتب وإعلامي