تحتفي أسرة الأمن الوطني ومن ورائها الشعب المغربي قاطبة، بالذكرى ال 70 لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني، وإذا كانت المناسبة، تقتضي تهنئة موظفي الأمن الوطني بكل فئاتهم وانتماءاتهم، والتنويه بما يتحملونه من مهام جسام، في سبيل ضمان الحق الفردي والجماعي في الأمن، وما يضطلعون به من مسؤوليات وأدوار، حفاظا على سلامة الأشخاص والممتلكات، فهي موعد سنوي، لاستحضار تأسيس هذه المؤسسة الوطنية الرائدة، التي شكلت إحدى دعامات المغرب الحديث والمستقل؛
فقبل سبعين سنة، تم إحداث مؤسسة الأمن الوطني، من قبل الملك الراحل محمد الخامس طيب الله ثراه، بموجب الظهير الشريف رقم 1.56.115 الصادر في 5 شوال 1375 (الموافق لـ 16 ماي 1956)، وأنيطت بها، كجهاز مدني، تابع لوزارة الداخلية، مهــام حفظ النظام العام، وضمان أمن الأشخاص والممتلكات، والسهر على تطبيق القوانين، وقد تزامن هذا الإحداث، مع تأسيس القوات المسلحة الملكية، المحدثة بتاريخ 14 ماي 1956، والتي تحملت مهام وأعباء الدفاع الوطني، في سياق داخلي، موسوم ببناء لبنات ومتطلبات المغرب المستقل، ومطبوع بتحدي استكمال الوحدة الترابية؛
مؤسسة الأمن الوطني، وهي تطفئ شمعتها السبعين، تحمل لمسة مؤسسها، بطل التحرير الملك الراحل محمد الخامس طيب الله ثراه، وبصمة خلفه، الملك الحسن الثاني رحمه الله، الذي أحاطها بما تحتاجه من دعم وعطف ورعاية، ووضعها على سكة التحول والعصرنة، رغم محدودية الوسائل والإمكانيات المتاحة، لتواكب متطلبات مغرب حديث، عابر من جهاد أصغر إلى جهاد أكبر، في ظرفية تاريخية، مطبوعة بالتوتر والتوجس والقلق والصراع، كان فيها السلوك الأمني تحت المجهر؛
مؤسسة الأمن الوطني، تجاوزت دهشة البدايات، وتخطت بثبات، صورتها النمطية التي علقت بالأذهان خلال فترات تاريخية شاقة، من زاوية الحقوق والحريات ونافذة القانون، ودخلت في عملية تحديثية نوعية، في ظل حكم الملك محمد السادس حفظه الله، الذي وفر للمؤسسة الشرطية، ما تحتاجه من وسائل وإمكانيات مادية ولوجستية، لتكون في مستوى التحديات الأمنية المطروحة على المملكة، في سياقات جيوسياسية وطنية وإقليمية ودولية، يتقاطع فيها التطرف والجريمة والإرهاب، وأحاط مواردها البشرية، بعطفه وعنايته السامية، في إطار رؤية متبصرة، تقوم على جعل الرأسمال البشري الأمني، رافعة للتنمية الأمنية، وأداة لا محيد عنها، لإحداث التحول الأمني المأمول، في زمن لم تعد فيه الشرطة المغربية،لصيقة بأدوارها الأمنية الأصيلة، ذات الصلة بالنظام العام والتصدي للجريمة وإنفاذ القانون، بل وأصبحت شريكا لا محيد عنه، عاكسا لسياسات الدولة وتوجهاتها الاستراتيجية، ومساهما حقيقيا في دبلوماسية المملكة وإشعاعها الدولي؛
الذكرى السبعينية لتأسيس الأمن الوطني، بقدر ما تقتضي استحضار التاريخ والسياقات، بقدر ما تفرض توجيه البوصلة نحو الحصيلة والمنجزات، وفي هذا الإطار، ومهما أسهبنا النبش في حفريات ما تحقق، سواء على المستوى الأكاديمي التكويني، أو على المستوى اللوجستي ووسائل وتقنيات العمل، أو على مستوى الأوضاع المهنية والمادية والاجتماعية لموظفي الشرطة، فالثابت أن مؤسسة الأمن الوطني المغربي، تحولت اليوم، إلى نموذج للمؤسسات الوطنية الناجحة، لما حققته من عصرنة وتحديث وريادة إقليمية ودولية، ما جعل التجربة والخبرة الأمنية المغربية، محل، ليس فقط، تقدير واعتراف دوليين، بل وباتت مطلوبة على المستوى الدولي، سواء على مستوى تدبير المخاطر المرتبطة بالإرهاب والجريمة العابرة للحدود، أو فيما يتعلق بتأمين التظاهرات والملتقيات الكبرى؛
ما وصلت إليه الشرطة المغربية التي أطفأت شمعتها السبعين، ما كان له أن يتحقق بهذا الزخم، لولا العناية الموصولة التي ما فتئ الملك محمد السادس حفظه الله، يوليها للمؤسسة الأمنية وموظفيها، ولولا وجود ثلة من المدراء العامين الذين تعاقبوا على إدارة المديرية العامة للأمن الوطني منذ تأسيسها، وكلهم من باب الإنصاف والاعتراف، شركاء ومساهمين حقيقيين فيما وصلت إليه الشرطة المغربية من خبرة وكفاءة وحرفية، آخرهم المدير العام الحالي، السيد عبداللطيف الحموشي، الذي شهدت المؤسسة الأمنية في عهده، قفزة كبرى ونقلة نوعية، من ثمارها، ما نعيشه اليوم من أمن واستقرار محسود عليه، في محيط إقليمي ودولي، مطبوع بالتوتر والقلق والتوجس واللايقين والصراع، ومن تجلياتها، تغير نظرة المجتمع إلى الشرطة، التي تحولت إلى ضامن موثوق منه، للحق في الأمن بكل أبعاده وامتداداته، ومرآة عاكسة، لدولة تتطلع إلى الحداثة في زمن الصعود والإقلاع التنموي الشامل؛
الذكرى الستينية لتأسيس الشرطة المغربية، ستكون متزامنة بدون شك، مع حدث تدشين المقر الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني بحي الرياض بالربــــــاط، الذي سبق أن أعطى الملك محمد السادس، انطلاقة أشغاله سنة 2019، وسيكون هذا الصرح المعماري الضخم، ليس فقط، مرآة عاكسة لمؤسسة أمنية حديثة ورائدة، بل ومركبا أمنيا متعدد الوظائف والتخصصات، سيكون جسر عبور آمن نحو المستقبل، دافع نحو شرطة وطنية عصرية، قادرة على رفع التحديات ومواكبة مختلف رهانات المملكة وتوجهاتها الاستراتيجية، ومجسدة لما يتطلع إليه المواطنات والمواطنين، من أمن واستقرار وطمأنينة وسكينة؛
في خاتمة المقال، وبقدر ما نتقدم إلى أسرة الأمن الوطني بكل فئاتها وانتماءاتها، بخالص التهاني وأطيب الأماني، شأنها في ذلك، شأن أسرة القوات المسلحة الملكية، منوهين بما وصلت إليه المؤسستين من خبرة وتجربة وحرفية، مثمنين أدوارهما المتعددة الزوايا، في السهر على الأمن وحماية البلاد والعباد، بقدر نستشعر حجم المهام الجسام، التي يتحملها أفراد الأمن الوطني والقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والقوات المساعدة والوقاية المدنية والجمارك...، ليبقى الوطن آمنا ومستقرا، وهؤلاء هم نجوم الوطن ومؤثريه الحقيقيين وعيونه التي لا تنــــام، وهم أجدر بالعناية والتحفيز المادي والمعنوي، لأنهم صناع الأمن والسكينة، وحماة الوطن، وشموعه التي تحتـــرق في صمت، ليحيى الوطن ...