مولاي أحمد الدريدي: المغرب لا يحتاج فقط إلى تعديل قانون تنظيمي للجهات بل إلى رؤية سياسية جديدة

مولاي أحمد الدريدي: المغرب لا يحتاج فقط إلى تعديل قانون تنظيمي للجهات بل إلى رؤية سياسية جديدة مولاي أحمد الدريدي

أكد مولاي أحمد الدريدي، الكاتب العام للمركز المغربي من اجل ديموقراطية الانتخابات، أن مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 المعدِّل للقانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات، رغم ما يقدمه من تعديلات تقنية وتوسيع لبعض الاختصاصات، يظل في جوهره استمرارًا لنفس المنطق المركزي الذي حكم التجربة الجهوية بالمغرب منذ دستور 2011. وأضاف أن  المشروع لا يخرج عن منطق نقل بعض الاختصاصات التقنية والإدارية دون نقل حقيقي للسلطة السياسية أو السيادة الترابية للجهات. وفي ما يلي نص مقال أحمد الدريدي، الذي توصلت به "أنفاس بريس ".


" إن مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 المعدِّل للقانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات، رغم ما يقدمه من تعديلات تقنية وتوسيع لبعض الاختصاصات، يظل في جوهره استمرارًا لنفس المنطق المركزي الذي حكم التجربة الجهوية بالمغرب منذ دستور 2011، دون أن يرقى إلى مستوى التحولات السياسية والدستورية والاجتماعية التي يطالب بها المغاربة اليوم.

فالمشكل الحقيقي في هذا النص ليس فقط ما يتضمنه، بل ما يتجاهله "عمدًا" : سؤال الديمقراطية الفعلية، وسؤال توزيع السلطة والثروة، وسؤال حق الجهات والشعوب المكوِّنة للمملكة في تدبير شؤونها السياسية والاقتصادية والثقافية داخل إطار وطني ديمقراطي موحد.

أولاً: قانون يُرمم الجهوية الإدارية بدل تأسيس جهوية سياسية

يقدم المشروع نفسه باعتباره “ورشًا للإصلاح” و”تعزيزًا للجهوية المتقدمة”، لكنه في الواقع لا يخرج عن منطق نقل بعض الاختصاصات التقنية والإدارية دون نقل حقيقي للسلطة السياسية أو السيادة الترابية للجهات. فكل ما ورد في المشروع يدور حول تحسين الحكامة، وتدبير المشاريع، وتوضيح الاختصاصات، وتسريع التنفيذ، دون الاقتراب من جوهر الأزمة البنيوية للدولة المغربية: مركزية القرار السياسي والمالي والإداري.

فالجهة في هذا المشروع لا تزال مجرد وحدة إدارية موسعة، وليست فضاءً سياسيًا يتمتع بإرادة ديمقراطية مستقلة نسبيًا، ولا يملك سلطة تشريعية جهوية، ولا استقلالًا ماليًا حقيقيًا، ولا قدرة على صياغة سياسات عمومية تعكس الخصوصيات التاريخية والثقافية والاقتصادية لكل جهة.

ثانيًا: المشروع يتجاهل السؤال المركزي للمغرب ما بعد 31 أكتوبر 2025

إن أكبر ضعف في هذا القانون أنه يتعامل مع الجهوية كإصلاح تقني، بينما يعيش المغرب لحظة سياسية تاريخية تتطلب إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة.

فما بعد 31 أكتوبر 2025 لا يجب أن يكون مجرد محطة انتخابية جديدة، بل فرصة تاريخية لبناء:

ملكية برلمانية فعلية؛

دولة ديمقراطية متعددة القوميات والثقافات؛

نظام فيدرالي عادل؛

توزيع حقيقي للسلطة والثروة؛

وضمان حق تقرير المصير الديمقراطي لكل شعوب وجهات المملكة، داخل وحدة الدولة وتحت سقف إمارة المؤمنين باعتبارها إطارًا جامعًا وضامنًا للاستقرار الروحي والمؤسساتي.


لكن المشروع الحالي لا يطرح أي تصور سياسي لمستقبل الدولة المغربية، بل يكتفي بإعادة تدوير نفس النموذج الإداري الذي أثبت محدوديته خلال أكثر من عقد من “الجهوية المتقدمة”.

ثالثًا: من الجهوية الإدارية إلى الفيدرالية الديمقراطية

لقد أثبتت التجربة أن التنمية لا يمكن أن تتحقق عبر المركزية المفرطة، وأن الديمقراطية الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي والتاريخي والجغرافي للمغرب.

فالمغرب ليس كتلة متجانسة، بل فضاء غني بتعدد روافده:

الأمازيغية بمختلف تعبيراتها

الحسانيّة

العربية المغربية

الثقافة الصحراوية

الخصوصيات الريفية والأطلسية والشرقية والسوسية وغيرها، بما في ذلك روافد الثقافات و الاثنيات و الأقليات ذات اعتقادات دينية مسيحية، يهودية أو حثى وثنية مرطبة بالأرواح… من عمقنا الافريقي ما تحث الصحراء الكبرى.


وأي مشروع ديمقراطي حقيقي يجب أن يعترف بهذا التنوع كمصدر قوة لا كتهديد.

لذلك فإن المطلوب اليوم ليس مجرد “جهوية متقدمة” بصلاحيات تقنية، بل الانتقال نحو دولة فيدرالية ديمقراطية، تُمكِّن الجهات من:

انتخاب مؤسساتها بحرية

تدبير مواردها الطبيعية

وضع سياساتها التنموية والثقافية

حماية لغاتها وهوياتها المحلية

والمشاركة المتوازنة في القرار الوطني.


رابعًا: إمارة المؤمنين كضامن للوحدة لا كبديل عن الديمقراطية

إن الدفاع عن الفيدرالية لا يعني إطلاقًا الدعوة إلى الانفصال أو المساس بوحدة الدولة، بل على العكس، هو محاولة لإنقاذ الوحدة الوطنية عبر إعادة بنائها على أساس التعاقد الديمقراطي والعدالة المجالية.

وفي هذا الإطار، يمكن لإمارة المؤمنين أن تلعب دور الضامن الرمزي والدستوري لوحدة المملكة وتعايش مكوناتها، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الحزبي للدين.

فالملكية البرلمانية وإمارة المؤمنين يمكن أن تشكلا معًا إطارًا متوازنًا:

يضمن وحدة الدولة

ويحمي التعدد

ويمنع هيمنة الأغلبية

ويؤسس لمغرب ديمقراطي حديث.


خامسًا: غياب العدالة المجالية وحق الجهات في الثروة

رغم حديث المشروع عن التنمية والنجاعة، فإنه لا يطرح سؤال العدالة في توزيع الثروات بين الجهات.

كيف يمكن الحديث عن “جهوية متقدمة” بينما:

تستمر الفوارق المجالية بشكل صارخ، وتُستنزف الموارد الطبيعية لبعض الجهات دون استفادة سكانها، وتظل قرارات الاستثمار الكبرى مركزة في الرباط والدار البيضاء، وتعاني مناطق الريف والأطلس والشرق والجنوب من التهميش البنيوي؟


إن أي إصلاح حقيقي يجب أن ينطلق من مبدأ:

“الثروة تُنتَج محليًا ويجب أن تعود أولًا لصالح السكان المحليين”.

 

وهذا هو جوهر الفيدرالية الاقتصادية العادلة.

سادسًا: الديمقراطية لا تُبنى بالخوف من الشعب

ما يكشفه هذا المشروع أيضًا هو استمرار خوف الدولة العميق من نقل السلطة الفعلية إلى الجهات والمجتمع.

فكل الصياغات القانونية ما تزال تُبقي القرار الحقيقي بيد السلطة المركزية، سواء عبر:

الوصاية الإدارية

التحكم المالي

أو هندسة الاختصاصات بشكل يسمح بالتدخل الدائم للمركز.


وكأن المطلوب هو “لامركزية تحت السيطرة”، لا ديمقراطية ترابية حقيقية.

الخلاصة: المغرب يحتاج إلى عقد سياسي جديد

إن المغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى تعديل قانون تنظيمي للجهات، بل إلى رؤية سياسية جديدة تؤسس:

لدولة ديمقراطية فيدرالية

ولمواطنة متساوية

ولملكية برلمانية حقيقية

ولعدالة مجالية وثقافية

ولتوزيع عادل للسلطة والثروة؛

ولضمان حق الجهات والشعوب في تدبير شؤونها داخل وحدة وطنية ديمقراطية.


أما هذا المشروع، فرغم بعض جوانبه التقنية الإيجابية، فإنه يبقى أسير منطق “الجهوية الإدارية المضبوطة”، ولا يجيب عن السؤال التاريخي المطروح على المغرب اليوم:

 كيف نحول ما بعد 31 أكتوبر 2025 إلى بداية انتقال ديمقراطي حقيقي، لا مجرد إعادة إنتاج لنفس البنية المركزية بواجهة جديدة؟

 

إن مستقبل المغرب لن يُبنى بالخوف من الديمقراطية، بل بالثقة في ذكاء شعبه وتعدده وحقه في تقرير مصيره الجماعي داخل وطن موحد، ديمقراطي، ومتعدد."

مولاي أحمد الدريدي، فاعل سياسي ومدافع عن حقوق الإنسان
محلل في سياسات الصحة وحقوق الإنسان (DHC).