بنسعيد الركيبي: المنظمات التربوية المغربية وسؤال الهوية

بنسعيد الركيبي: المنظمات التربوية المغربية وسؤال الهوية بنسعيد الركيبي

يشكل سؤال الهوية أحد المداخل الأساسية لفهم التحولات التي عرفتها المنظمات التربوية داخل المجتمع المغربي، لأن النقاش حول هذه التنظيمات أصبح يرتبط بطبيعة موقعها داخل عملية التنشئة الاجتماعية وبناء القيم والمعنى التربوي والمجتمعي.

وترتبط صفة “المنظمة التربوية” بامتلاك رؤية فكرية وبيداغوجية واضحة تحدد طبيعة الإنسان المراد بناؤه والوظائف المجتمعية التي تؤديها داخل محيطها الثقافي والاجتماعي، في ارتباط مباشر بمشروع تربوي يؤطر الممارسة ويوجهها داخل تصور متكامل للتنشئة والتأطير.

ويرتبط هذا الامتداد التاريخي للعلاقة بين الفعل الجمعوي والتربية بالسياق الوطني الذي أعقب الاستقلال، حيث شهد المغرب منذ السنوات الأولى بعد سنة 1956 ورشا مجتمعيا لإعادة بناء الدولة والمجتمع والإنسان المغربي، وتشكل وعي جماعي اعتبر التربية إحدى الأدوات المركزية لبناء المواطن وتعزيز قيم المشاركة والانتماء والعمل الجماعي. ويبرز داخل هذه المرحلة الحضور المكثف لمفهوم “التربية” داخل أسماء عدد من الجمعيات والمنظمات التي تأسست آنذاك، من قبيل “الجمعية المغربية لتربية الشبيبة” سنة 1956، و“جمعية التربية والتخييم” سنة 1962، و“جمعية المواهب للتربية الاجتماعية” سنة 1965، إلى جانب عدد من التنظيمات الكشفية والثقافية والمدنية التي جعلت من التربية محور وجودها ووظيفتها المجتمعية.

وقد جسد حضور مفهوم “التربية” داخل هذه التنظيمات تصورا مجتمعيا قائما على التربية الشعبية والتأطير الثقافي وتكوين القيادات، كما شكلت المخيمات التربوية ودور الشباب والحركات الكشفية فضاءات للتعلم الجماعي والانضباط والمسؤولية والانتماء والمواطنة، ومن رحم هذه التجارب تخرجت أجيال من الفاعلين السياسيين والثقافيين والإعلاميين والمدنيين، حيث ارتبط النشاط الميداني آنذاك بمشروع تربوي واضح جعل من التأطير أداة لبناء الإنسان والوعي الجماعي.

ومع التحولات الاجتماعية والتنظيمية التي عرفها المجال الجمعوي خلال العقود الأخيرة، برز واقع جديد اتسم بتوسع منطق المشاريع والشراكات والتمويلات، وتصاعد الطابع التدبيري والتقني داخل العمل الجمعوي، كما توسعت مجالات التدخل لتشمل التنمية والحقوق والإدماج الاجتماعي والتنشيط الثقافي، وهو ما أدى إلى إعادة تشكيل جزء من الهويات التنظيمية داخل الحقل الجمعوي، وأنتج تداخلا بين الأبعاد التربوية والتنموية والخدماتية والتأطيرية. ويكشف هذا التحول إشكالا يرتبط بطبيعة الهوية التربوية نفسها، حيث أصبح من الضروري التمييز بين تنظيمات تستعمل التربية كمجال للتدخل، ومنظمات تؤسس وجودها ووظيفتها ومشروعها المجتمعي على التربية باعتبارها رؤية لبناء الإنسان وإنتاج القيم داخل المجتمع. فالنشاط التربوي يمثل ممارسة ميدانية قابلة للتعدد والتنوع، في حين تعبر الهوية التربوية عن بناء فكري ومنهجي متكامل يقوم على مشروع تربوي واضح يحدد طبيعة التنشئة والوظائف المجتمعية والأهداف القيمية والبيداغوجية المؤطرة للممارسة.

وترتبط هذه الهوية بعناصر تشمل المرجعية الفكرية والقيمية، وتصور التنشئة وطبيعة الإنسان المستهدف بالتكوين، والمقاربة البيداغوجية المؤطرة للممارسة والأثر المراد إنتاجه لدى الفرد والمجتمع، وبذلك تكتسب الأنشطة الميدانية معناها الحقيقي حين تتحول إلى أدوات لبناء القيم والكفايات والوعي الجماعي داخل مشروع تربوي منسجم. وتكشف الممارسة الميدانية المعاصرة عن تصاعد واضح للطابع التدبيري والتقني داخل عدد من المنظمات، حيث أصبحت التقارير ومنطق المشاريع والشراكات والبحث عن المنح تحتل موقعا مركزيا داخل الفعل الجمعوي، وهو ما أدى إلى تراجع النقاش الفكري والبيداغوجي، وإلى ضعف إنتاج المرجعيات التربوية والأدبيات النظرية والدلائل البيداغوجية القادرة على تأطير الممارسة ومنحها انسجامها الفكري والمنهجي. ويرتبط هذا الوضع أيضا بتراجع حضور البحث العلمي والتقويم العلمي للأثر التربوي داخل عدد من التجارب الجمعوية. حيث أصبح جزء من العمل الميداني يعتمد على التراكم التجريبي والخبرة العملية أكثر من اعتماده على البناء النظري والتحليل البيداغوجي وإنتاج المعرفة التربوية. وهو ما أدى إلى بروز نوع من الانفصال بين كثافة الأنشطة المنجزة وضعف التفكير في طبيعة التحولات التي تنتجها هذه الأنشطة داخل الأطفال والشباب والمجتمع. وفي ظل هذه التحولات، أصبحت إعادة بناء الهوية التربوية تمثل إحدى القضايا المركزية داخل مستقبل العمل الجمعوي بالمغرب، حيث ترتبط الحاجة اليوم ببناء منظمات تمتلك مشروعا تربويا واضحا، وتربط ممارستها وأدوارها ووظائفها برؤية فكرية وبيداغوجية متماسكة، كما تطور آليات التكوين والتوثيق والتقويم وإنتاج المعرفة التربوية. وتعيد الاعتبار للنقاش الفكري باعتباره شرطا لإعادة بناء الفعل التربوي داخل العمل الجمعوي ومدخلا لمواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي.

وهكذا يرتبط سؤال الهوية داخل المنظمات التربوية بطبيعة المشروع التربوي الذي يؤطرها، وبالوظائف التي تؤديها داخل المجتمع، وبقدرتها على إنتاج أثر تربوي وثقافي وقيمي مستدام، كما يرتبط مستقبل هذه المنظمات بقدرتها على استعادة سؤال التربية باعتباره سؤالا مجتمعيا واستراتيجيا يجعل من الفعل الجمعوي فضاء لإنتاج الوعي والقيم والمواطنة والمعرفة، ومجالا للمساهمة في بناء الإنسان داخل مجتمع يعرف تحولات متسارعة وعميقة.