جواد مامون: حبر على ورق.. لماذا لا يقرأ الناخبون البرامج الانتخابية؟

جواد مامون: حبر على ورق.. لماذا لا يقرأ الناخبون البرامج الانتخابية؟ جواد مامون

في صخب الحملات الانتخابية، تتصدر البرامج الانتخابية واجهة المشهد السياسي، حيث تتصارع اللافتات الملونة والعبارات البراقة والوعود بالقضاء على الفقر ومحاربة الفساد وتحقيق نهضة شاملة في غضون سنوات قليلة. غير أن الناخب الحذر بات يطرح سؤالا مصيريا: هل تعكس هذه البرامج فعلا ما سينفذه الفائزون، أم أنها مجرد كتيبات دعائية تذهب إلى أدراج النسيان حال إعلان النتائج؟ والحال أن البرنامج الانتخابي الجيد يبدأ بتشخيص دقيق وليس بشعارات عامة، فلا يكفي أن يعلن حزب ما عن محاربة البطالة، بل يجب أن يحدد نسبة البطالة الحالية، والفئات العمرية الأكثر تضررا، والأسباب الجذرية، وتكلفة خلق فرصة عمل واحدة، ومصادر التمويل. كما أن الأحزاب غالبا ما تقدم "قوائم أمنيات" بدلا من برامج قابلة للتنفيذ، وذلك خوفا من أن تؤدي التفاصيل الصادمة أو التكاليف الحقيقية إلى نفور الناخبين.

وتتفاقم المشكلة مع ظاهرة التحالفات الانتخابية التي باتت سمة العصر في كثير من البلدان، إذ يسود التساؤل حول كيفية اتفاق حزب ليبرالي وآخر محافظ وثالث وسطي على برنامج موحد في ملفات شائكة كالتعليم والصحة والضرائب. وذلك يرجع إلى أن التحالفات في الغالب تقدم وثيقة فضفاضة تتجنب النقاط الخلافية، وتُزيّنها بعبارات مرنة مثل "بما يحقق المصلحة الوطنية"، مما يمنح كل حزب حرية تفسير البرنامج كما يشاء بعد الفوز، ويجعل المواطن أمام حكومة بلا خريطة واضحة. هذا الواقع جعل بعض الدول تتجه إلى تجارب ناجحة لتحويل البرامج الانتخابية إلى عقود شبه ملزمة، ففي ألمانيا بدأت معاهد اقتصادية مستقلة بإصدار تقارير علنية عن تكلفة كل وعد انتخابي، وفي بريطانيا أصبح الحزب الخاسر يقدم في الانتخابات اللاحقة تقريرا عن أسباب خسارته يتضمن تحليلا لبرنامجه السابق وأخطائه، مما يساهم في ترسيخ ثقافة المحاسبة السياسية.

في مواجهة هذه التحديات، يطرح خبراء ومهتمون عدة حلول عملية لتقليص الفجوة بين الوعود والتنفيذ، من بينها فرض نموذج موحد على جميع المرشحين والأحزاب يتضمن التشخيص بالأرقام، والأهداف القابلة للقياس، والتكلفة التقديرية، والجدول الزمني، ومؤشرات الأداء. كما يُقترح إنشاء هيئة مستقلة تضم خبراء اقتصاديين وقانونيين لتقييم البرامج وإصدار تقارير عن مدى معقوليتها دون حظر، بل بهدف مساعدة الناخب على اتخاذ قرار مستنير. ومن المقترحات المهمة أيضا تخصيص ساعات في الإعلام العمومي لمناظرات برامجية إجبارية تناقش تفاصيل البرامج وليس الشخصيات، إلى جانب قيام منظمات وجمعيات المجتمع المدني بعد عامين من تولي الحكومة بنشر تقارير تقارن الوعود بالتنفيذ وتُصدر درجات تقييم علنية.

أما في الشارع، فيتحدث المواطنون بلغة الإحباط الصريح، حيث إنه في آخر انتخابات قرأت ثلاثة برامج كاملة، فوعد الأول ببناء مستشفى في منطقته، والثاني بتعبيد الطرق، بينما لم يفهم شيئا من البرنامج الثالث، فتم التصويت للأول لأنه كان الأكثر تحديدا، لكنه بعد الفوز لم يتم بناء المستشفى ولا تعبيد الطريق، مما يدل بأن البرامج مجرد كلام فضفاض.

وتجدر الإشارة إلى أن المواطن يبحث عن إنجازات على الأرض وليس عن كتيبات دعائية.

صفوة القول أن الانتخابات الحقيقية لا تقاس بكثرة الصناديق بل بمدى جدية البرامج والتزام الفائزين بها، وربما حان الوقت لتحويل البرنامج الانتخابي من وثيقة دعائية إلى عقد شرف يمزقه الناخب في وجه المخالفين، ولن يتحقق ذلك إلا عندما يشعر السياسي أن برنامجه الانتخابي سيلاحقه كظله طوال سنوات حكمه، وعندما يتحول المواطن من متفرج إلى رقيب يقرأ ويقارن ويسأل ويحاسب.

 

 جواد مامون
باحث في القانون العام والعلوم السياسية