عبد الحكيم العياط
مع اقتراب المؤتمر الوطني لـ النقابة المستقلة للممرضين و تقنيي الصحة، يطفو على السطح من جديد ذلك التوتر الصامت الذي تعيشه أغلب التنظيمات النقابية والمهنية في لحظات التحول الكبرى، حيث لا يعود النقاش مقتصرا على الملفات المطلبية أو أوضاع الشغيلة الصحية فقط، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يقود؟ ومن يملك الشرعية؟ وهل التنظيم ما يزال يعيش بروح القاعدة المهنية التي أنشأته، أم أنه دخل مرحلة إعادة إنتاج نفس النخب والوجوه وآليات التحكم؟
في بداياتها، تولد أغلب النقابات من رحم المعاناة اليومية والاحتقان المهني والشعور الجماعي بالتهميش، فتكون لغة النضال والتطوع والحماس هي المحرك الأساسي. الجميع يشعر بأنه جزء من المعركة، والجميع يساهم في البناء، وتكون العلاقة بين القيادة والمناضلين شبه منعدمة الحواجز. لكن مع مرور السنوات، وتوسع التنظيم، ودخوله إلى فضاءات التفاوض والحوار المؤسساتي، تبدأ طبيعة العمل النقابي في التغير بشكل تدريجي. يصبح التنظيم أكثر تعقيدا، وتظهر الحاجة إلى قيادة متفرغة، وخبرة قانونية، وآليات تدبير دقيقة، وعلاقات مع الإدارة والشركاء والمؤسسات، وهنا تبدأ النخبة التنظيمية في التشكل.
هذا التحول ليس استثناء، بل هو ما تحدث عنه عالم الاجتماع والسياسة روبرت ميشلز منذ أكثر من قرن في نظريته الشهيرة “القانون الحديدي للأوليغارشية”، حين اعتبر أن كل تنظيم جماهيري، مهما رفع من شعارات الديمقراطية والمشاركة، ينتهي تدريجيا إلى تركيز السلطة بيد فئة محدودة تمتلك الخبرة والعلاقات والتحكم في دواليب التنظيم. فالقادة الذين كانوا في البداية مجرد مناضلين وسط القواعد، يتحولون مع الزمن إلى مركز ثقل داخل التنظيم، ليس فقط بسبب رغبتهم في الاستمرار، بل أيضا لأنهم يصبحون الأكثر معرفة بتفاصيل الملفات والأكثر قدرة على التحكم في التوازنات الداخلية.
ومع اقتراب المؤتمرات الوطنية، تظهر هذه الظاهرة بوضوح أكبر. فالمؤتمر، الذي يفترض أن يكون محطة ديمقراطية للتقييم والتجديد وضخ دماء جديدة، يتحول أحيانا إلى ساحة صراع خفي بين منطقين مختلفين ؛ منطق يرى أن المرحلة الحالية تفرض الحفاظ على نفس القيادة بدعوى الاستقرار والخبرة واستمرارية التراكم، ومنطق آخر يعتبر أن التنظيمات التي لا تجدد نخبها تدخل تدريجيا في حالة من الجمود والانفصال عن القواعد المهنية.
داخل التنظيمات النقابية، لا يتم التعبير عن هذا الصراع دائمًا بشكل مباشر، بل يظهر عبر التحركات الجانبية، والتحالفات الداخلية، ومحاولات التأثير على المؤتمرين، وإعادة ترتيب موازين القوى قبل انعقاد المؤتمر. وكلما اقترب موعد الحسم، ارتفعت لغة الشرعية؛ شرعية التاريخ والنضال والتأسيس من جهة، وشرعية الديمقراطية والتجديد وتمثيل الجيل الجديد من جهة أخرى.
وفي قطاع حساس كقطاع الصحة، تزداد أهمية هذا النقاش بسبب التحولات العميقة التي يعيشها المغرب، خاصة مع تنزيل ورش المجموعات الصحية الترابية وإعادة هيكلة المنظومة الصحية الوطنية. فهذه المرحلة لا تحتاج فقط إلى نقابات تمتلك القدرة على الاحتجاج، بل إلى تنظيمات قادرة على إنتاج نخب تفاوضية قوية، وفي نفس الوقت قادرة على الحفاظ على ثقة القواعد المهنية وعدم السقوط في البيروقراطية التنظيمية.
المشكل الحقيقي لا يبدأ حين ترغب القيادات القديمة في الاستمرار، لأن ذلك أمر طبيعي في كل التنظيمات، بل يبدأ حين يصبح التنظيم غير قادر على إنتاج قيادات جديدة، أو حين تتحول المواقع التنظيمية إلى ما يشبه الامتياز المعنوي الذي يصعب التخلي عنه. هنا يفقد العمل النقابي جزءًا من روحه الأصلية، ويتحول النقاش من الدفاع عن الممرضين وتقنيي الصحة إلى صراع حول من يتحكم في التنظيم ومن يملك القرار داخله.
ورغم ذلك، فإن وجود هذا التنافس لا يعني بالضرورة وجود أزمة، بل قد يكون مؤشرا على حيوية التنظيم، شريطة أن يبقى الصراع داخل حدود الديمقراطية الداخلية واحترام الرأي المختلف. فالنقابات القوية ليست تلك التي تختفي فيها الخلافات، بل تلك التي تنجح في تدبيرها دون أن تفقد وحدتها أو تتحول إلى فضاء لتصفية الحسابات الشخصية.
اليوم، ومع اقتراب المؤتمر الوطني لـ النقابة المستقلة للممرضين، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيقود المرحلة المقبلة، بل بقدرة التنظيم على التوفيق بين الخبرة والتجديد، وبين الحفاظ على التراكم النقابي وفتح المجال أمام جيل جديد يحمل تصورات مختلفة حول العمل النقابي والمرافعة المهنية. لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي نقابة ليس الصراع الداخلي، بل أن تتحول تدريجيًا من إطار وُجد للدفاع عن القواعد المهنية إلى تنظيم منشغل فقط بإعادة إنتاج قيادته.