الصادق العثماني: بين هداية النبوة وذهنية الغزو.. قراءة مقاصدية في غضب التيار السلفي السروري من تصريح وزير الأوقاف أحمد التوفيق

الصادق العثماني: بين هداية النبوة وذهنية الغزو.. قراءة مقاصدية في غضب التيار السلفي السروري من تصريح وزير الأوقاف أحمد التوفيق الصادق العثماني وأحمد التوفيق (يسارا)

أثار تصريح وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب الدكتور أحمد التوفيق، حين قال في محاضرة علمية بالمجلس العلمي الأعلى بالرباط إن “الرسول صلى الله عليه وسلم بُعث هاديا لا غازيا”، موجة من الغضب والاعتراض داخل بعض الأوساط السلفية السرورية بالمغرب، حيث اعتبر هؤلاء أن العبارة تمثل “طمسا لجانب الجهاد في الإسلام”، أو “إعادة صياغة للسيرة النبوية بمنطق حداثي يرضي الغرب”. غير أن هذا الاعتراض، عند التأمل العميق، لا يكشف فقط عن اختلاف في فهم عبارة أو تأويل موقف، بل يكشف عن أزمة فكرية ومنهجية أعمق تتعلق بطبيعة تصور الدين ووظيفة النبوة ومقاصد الرسالة الإسلامية، كما يكشف عن صراع قديم بين منطق الهداية ومنطق التعبئة، وبين فقه المقاصد وفقه الحرفية، وبين الإسلام باعتباره مشروع رحمة للعالمين والإسلام الذي تحوّل عند بعض التيارات إلى مشروع صدام دائم مع العالم .
فالرسول صلى الله عليه وسلم، بحسب القرآن الكريم، لم يُعرّف أولا بوصفه قائدا عسكريا، وإنما عُرّف بوصفه رحمة وهداية، قال تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، وقال سبحانه: "فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ "
، وقال: “فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر”. وهذه النصوص المؤسسة تجعل الأصل في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو هداية الإنسان إلى الله وإخراجه من عبودية الهوى إلى عبودية الحق، ومن الظلم إلى العدل، ومن العصبية إلى الأخوة الإنسانية. أما القتال في الإسلام فلم يكن غاية مستقلة، ولا جوهر الرسالة، بل كان تدبيرا استثنائيا فرضته ظروف تاريخية وسياسية معقدة، مرتبطة بحماية الجماعة المسلمة الناشئة والدفاع عن حرية الدعوة ورد العدوان.
ومن هنا فإن قول الدكتور أحمد التوفيق إن النبي صلى الله عليه وسلم “بعث هاديا لا غازيا” لا يعني نفي وقوع الغزوات، ولا إنكار مشروعية الجهاد بضوابطه الشرعية، وإنما يعني إعادة ترتيب الأولويات وفهم طبيعة الرسالة المحمدية ضمن سياقها القرآني الكلي. فالنبي لم يُبعث لكي يغزو الناس أو يفرض الدين بالقوة، وإنما بُعث لهداية القلوب والعقول، وما القتال إلا وسيلة اضطرارية في ظروف مخصوصة، وليس هو الأصل الذي تُختزل فيه النبوة والسيرة.
غير أن التيار السلفي السروري يجد حرجا كبيرا أمام مثل هذا الطرح، لأن بنيته الفكرية قامت منذ نشأتها على مركزية “الصراع” و”المواجهة” و”التمكين”، وعلى تضخيم الجانب العسكري والسياسي في الإسلام أكثر من الجانب التربوي والروحي والحضاري. فالسرورية، التي تمثل مزيجا بين العقيدة السلفية والتنظيم الحركي القطبي، تأثرت بشكل كبير بأفكار سيد قطب، خاصة في نظرته للعالم باعتباره يعيش “جاهلية معاصرة”، وفي تقسيمه الحاد بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، وفي تصوره للحركة الإسلامية باعتبارها مشروعا لإعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق منطق الصراع الأيديولوجي. ولهذا السبب ظل خطاب كثير من رموز هذا التيار بالمغرب مشحونا بمفاهيم الحاكمية والمواجهة والولاء والبراء والصدام الحضاري، مما جعلهم ينظرون بعين الريبة إلى كل خطاب ديني يدعو إلى التهدئة أو المقاصد أو التعايش أو إعادة قراءة السيرة النبوية ضمن بعدها الإنساني والرحموتي .
إن الإشكال الحقيقي عند بعض التيارات السرورية ليس في عبارة أحمد التوفيق ذاتها، بل في الخلفية الفكرية التي تنتمي إليها العبارة؛ فهي تنتمي إلى مدرسة دينية مغربية تاريخية تقوم على العقيدة الأشعرية، والفقه المالكي، والتصوف السني، وإمارة المؤمنين، وهي مدرسة ترى أن الدين مجال لتحقيق السكينة الروحية والاستقرار الاجتماعي والتوازن الحضاري، لا مجالا لإنتاج التوترات الإيديولوجية أو التعبئة السياسية الدائمة. ولذلك ظل الصدام قائما منذ سنوات بين المؤسسة الدينية الرسمية بالمغرب وبين التيارات السلفية الحركية التي ترى نفسها وصية على “الإسلام الصحيح”، وتتعامل مع كل اجتهاد مقاصدي أو قراءة تاريخية للنصوص باعتباره “تمييعا للدين”.
لقد اعتاد التيار السروري على تقديم صورة اختزالية للسيرة النبوية، تركز على الغزوات والقتال أكثر مما تركز على بناء الإنسان. فحين يُذكر النبي صلى الله عليه وسلم في بعض خطاباتهم، يبرز القائد المحارب أكثر من المربي الرحيم، وتبرز معارك بدر وأحد وحنين أكثر مما تبرز وثيقة المدينة وصلح الحديبية وعفو مكة. وهذا الاختزال يخلق وعيا دينيا متوترا يرى العالم من زاوية الصراع المستمر، ويُنتج جيلا يتعامل مع الدين باعتباره أداة مواجهة لا رسالة رحمة.
ومن أخطر ما في هذا التصور أنه فتح الباب أمام كثير من الشباب للانجذاب نحو الحركات الجهادية المتطرفة، لأن التركيز المفرط على البعد القتالي في الإسلام دون استحضار شروطه ومقاصده وضوابطه التاريخية يجعل بعض العقول البسيطة تظن أن التدين الحقيقي هو الانخراط في الصدام والعنف. ولهذا لا يمكن فصل بعض الجذور الفكرية للتطرف المعاصر عن الخطابات التي بالغت في تمجيد “الغزو” و”القتال” واعتبرت الأمة في حالة حرب دائمة مع العالم.
إن الدفاع عن مركزية الهداية في الرسالة المحمدية لا يعني أبدا إنكار فريضة الجهاد، وإنما يعني وضعها في إطارها الشرعي الصحيح. فالجهاد في الإسلام ليس عدوانا ولا توسعا إمبراطوريا، بل هو وسيلة لحماية الإنسان ورفع الظلم والدفاع عن حرية الاعتقاد. وحتى في لحظات الحرب، وضع الإسلام أخلاقا صارمة تمنع قتل المدنيين والرهبان والنساء والأطفال وتنهى عن التخريب والتمثيل بالجثث. وهذا يؤكد أن الإسلام لم يؤسس حضارته على العنف، وإنما على التوازن بين القوة والرحمة، وبين العدل والعفو.
كما أن القراءة المقاصدية للسيرة النبوية تجعلنا ندرك أن أعظم انتصارات النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن عسكرية، بل كانت أخلاقية وإنسانية. ففتح مكة مثلا لم يكن نصرا بالسيف بقدر ما كان انتصارا بالعفو، حين قال لقريش: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. ولو كان النبي بعث “غازيا” بالمعنى العدواني لما عفا عن الذين آذوه وحاربوه سنوات طويلة. لكن جوهر النبوة كان دائما قائما على الرحمة والإصلاح والهداية.
ومن هنا يظهر أن غضب بعض السلفيين السروريين من تصريح أحمد التوفيق نابع من خوف أعمق من فقدان احتكارهم لتفسير الدين، ومن تراجع الخطاب التعبوي الذي بنوا عليه حضورهم داخل المجتمع. فهم يدركون أن أي عودة قوية إلى المقاصد والروح القرآنية والبعد الإنساني للإسلام ستؤدي إلى تراجع الخطابات المتشددة التي تقوم على صناعة العدو وتغذية عقلية الصدام. ولذلك تتحول كل عبارة مقاصدية أو قراءة تجديدية إلى “معركة عقائدية” في نظرهم، حتى وإن كانت العبارة منسجمة تماما مع القرآن والسيرة الصحيحة.
إن جزءا من الأزمة أيضا يعود إلى الخلط بين “النبوة” و”التاريخ السياسي”. فالرسول صلى الله عليه وسلم مارس وظائف متعددة بحكم موقعه التاريخي: كان نبيا وقاضيا وقائدا ومربيا ورئيس دولة، لكن الوظيفة الأصلية الجامعة التي من أجلها أرسله الله هي الهداية والبلاغ. أما الوظائف الأخرى فهي وسائل وتدابير مرتبطة بإدارة المجتمع في سياقه الزمني. وعندما يتم تحويل الوسائل التاريخية إلى جوهر ثابت للدين، يقع الخلل في الفهم وتختل الأولويات.
كما أن بعض التيارات السلفية تعاني من أزمة في فهم التحولات التاريخية والحضارية المعاصرة، إذ ما زالت تقرأ العالم بعقلية القرون الوسطى ومنطق الثنائيات الحادة، بينما العالم اليوم يقوم على مفاهيم الدولة الوطنية والقانون الدولي والتعايش الإنساني والحوار الحضاري . ولهذا تجدها في صدام دائم مع كل خطاب ديني يسعى إلى تقديم الإسلام باعتباره دينا قادرا على الاندماج الإيجابي في العصر دون التفريط في ثوابته .
إن المغرب، بحكم تاريخه الديني والسياسي، اختار منذ قرون نموذجا إسلاميا قائما على الاعتدال والتوازن، ولذلك ظل بعيدا نسبيا عن موجات التطرف العنيف مقارنة بدول أخرى. وقد لعبت المؤسسة الدينية المغربية دورا مهما في حماية هذا التوازن، عبر ترسيخ المرجعية المالكية الأشعرية الصوفية، ومواجهة التيارات الوافدة التي حاولت استنساخ نماذج مشرقية قائمة على التسييس الحاد للدين. ولهذا فإن الهجوم المتكرر على أحمد التوفيق لا يمكن فهمه فقط بوصفه خلافا فكريا عابرا، بل هو جزء من صراع أعمق حول هوية التدين بالمغرب: هل يكون تدينا روحيا مقاصديا منفتحا، أم تدينا أيديولوجيا متشددا يقوم على التعبئة والصراع؟
وفي الختام، فإن الإنصاف العلمي يقتضي قراءة عبارة “بعث هاديا لا غازيا” ضمن سياقها المقاصدي والقرآني، لا بمنطق الاجتزاء والتحريض. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن صاحب مشروع غزو عالمي، وإنما كان صاحب رسالة أخلاقية وإنسانية كبرى هدفت إلى تحرير الإنسان من الظلم والجهل والوثنية. وكل قراءة للسيرة تجعل الحرب جوهر الإسلام، وتُهمّش الرحمة والهداية، هي قراءة تختزل النبوة في بعدها العسكري وتفقد الإسلام روحه الحضارية والإنسانية. ولذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى تضخيم خطابات الصراع، بل إلى تجديد الوعي الإسلامي وفق مقاصد القرآن وروح النبوة، حتى يعود الإسلام كما أراده الله: رحمة للعالمين، لا أيديولوجيا الصراع الطبقي الذي نظر لها "كارل ماركس" الشيوعي .

 

الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية