فرنسا.. هل سقطت بعض الدوائر الأمنية في قبضة عصابات المخدرات ؟

فرنسا.. هل سقطت بعض الدوائر الأمنية في قبضة عصابات المخدرات ؟ تحولت الجريمة المنظمة الى نظام مواز ينازع الدولة الفرنسية سلطتها في بعض المجالات الترابية

تشهد فرنسا في السنوات الأخيرة تحولا خطيرا في طبيعة الجريمة المنظمة، بعدما انتقلت "حرب المخدرات" من مجرد ظاهرة مرتبطة ببعض الأحياء الهامشية في مرسيليا إلى تهديد أمني وطني يمتد إلى مدن كبرى مثل نيس وليون ونانت وحتى المدن المتوسطة والصغرى. فمشاهد إطلاق النار العشوائي، وتصفية الحسابات بأسلحة حربية، واستهداف السجون، واستقطاب القاصرين داخل شبكات التهريب، كلها مؤشرات تؤكد أن فرنسا تواجه اليوم أزمة بنيوية تتجاوز مجرد ارتفاع معدلات الجريمة التقليدية.

لقد أصبح واضحا أن عصابات المخدرات لم تعد تتحرك بمنطق " التهريب السري"، بل بمنطق التنظيمات المافيوزية التي تسعى إلى فرض النفوذ الترابي والتحكم في الأحياء والأسواق السوداء، عبر الرعب والعنف المسلح. فالأرقام التي كشفها مدعي نيس العام داميان مارتينيلي، حول ارتفاع نسبة القاصرين المدانين في قضايا المخدرات من 9% إلى 29% خلال عقد واحد، تعكس تحولا خطيرا يتمثل في تجنيد الأطفال والمراهقين داخل شبكات الجريمة المنظمة، وهو ما يهدد بتكوين جيل جديد يعيش داخل اقتصاد الجريمة بدل الاندماج في المجتمع.

ولعل أخطر ما في المشهد الفرنسي الحالي أن العنف لم يعد مقتصرا على تصفية الحسابات داخل " الأحياء الساخنة "، بل امتد ليضرب الفضاء العام ، كما حدث في نيس ونانت ومرسيليا، حيث سقط قتلى وجرحى من القاصرين، وتحولت بعض الأحياء إلى ساحات مواجهة مفتوحة تستعمل فيها أسلحة أوتوماتيكية من نوع "كلاشنيكوف".

وهذا التحول يعكس بحسب عدد من المراقبين، انتقال العصابات من مرحلة الدفاع عن مصالحها إلى مرحلة استعراض القوة وفرض الهيبة على الدولة نفسها.

غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما تعيشه فرنسا يعد مؤشرا على انهيار السلطات الأمنية؟ أم أنه يعكس وجود اختراق داخل بعض الدوائر الأمنية ؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك؟

في الواقع، اختزال الأزمة في "فشل أمني" فقط يبدو تبسيطا مفرطا. ففرنسا تمتلك واحدة من أقوى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في أوروبا، ونجحت خلال السنوات الماضية في تفكيك خلايا إرهابية معقدة، غير أن طبيعة "اقتصاد المخدرات" تختلف جذريا عن التهديدات التقليدية. نحن أمام شبكات تدر مليارات اليوروهات سنويا، وتملك قدرة هائلة على شراء الولاءات، وتوظيف التكنولوجيا، واستغلال الهشاشة الاجتماعية، وحتى اختراق بعض المؤسسات.

ولا يمكن استبعاد فرضية وجود اختراقات وفساد داخل بعض الدوائر الأمنية ، لأن التاريخ الإجرامي العالمي يؤكد أن المافيات الكبرى لا تتمدد دون وجود تواطؤات أو ثغرات داخل مؤسسات الدولة. فحين تتمكن العصابات من تهريب الهواتف إلى السجون، وتهديد الحراس، وحرق سيارات موظفين، ونشر عناوينهم على تطبيقات التواصل، فإن ذلك يعني أن شبكات الجريمة أصبحت تمتلك معلومات دقيقة وقدرات تنظيمية متقدمة، وهو أمر يطرح علامات استفهام كبيرة حول حجم الاختراق المؤسساتي.

لكن في المقابل، تبدو الأزمة أعمق من مجرد "فساد أمني"، لأنها ترتبط أيضا بتحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية داخل المجتمع الفرنسي نفسه. فارتفاع معدلات الفقر والتفاوت الاجتماعي، خاصة في الضواحي الهامشية، خلق بيئة خصبة لتوسع اقتصاد المخدرات.

وتشير المعطيات الفرنسية إلى أن الاستهلاك لم يعد مقتصرا على الفئات الهشة، بل امتد إلى الطبقات الوسطى والثرية، ما جعل الطلب يتضاعف بشكل كبير. وهنا تظهر المفارقة الخطيرة: فالدولة التي تشدد قبضتها الأمنية على شبكات التهريب، تعيش في الوقت نفسه مجتمعا يزداد فيه الطلب على أصناف المخدرات .

لقد ساهمت التحولات الرقمية كذلك في تعقيد الظاهرة، حيث تحولت تجارة المخدرات إلى "خدمة توصيل" تعتمد على التطبيقات المشفرة ووسائل التواصل، فيما يعرف بـ Uber-Drogue، وهو ما صعّب من مهمة الأجهزة الأمنية، لأن نقاط البيع لم تعد ثابتة كما في السابق.

كما أن فرنسا تواجه أزمة أخرى تتمثل في اكتظاظ السجون، حيث أصبحت السجون نفسها فضاءات لإعادة إنتاج الجريمة بدل الحد منها. فحين تضم السجون 82 ألف سجين مقابل طاقة استيعابية لا تتجاوز 62 ألفا، يصبح من الصعب فرض السيطرة الكاملة، خاصة مع استمرار زعماء العصابات في إدارة شبكاتهم من داخل الزنازين. ولذلك لم يعد مستغربا أن تتعرض السجون الفرنسية مؤخرا لهجمات مسلحة.

أما المفارقة الكبرى، فهي أن فرنسا التي تقدم نفسها باعتبارها " دولة القانون وحقوق الإنسان"، أصبحت عاجزة عن طمأنة مواطنيها في بعض الأحياء التي باتت تخضع عمليا لمنطق عصابات المخدرات. وهذا لا يعني بالضرورة سقوط الدولة الفرنسية، لكنه يكشف عن  حجم التحديات التي يواجهها الجهاز الأمني الفرنسي حين يصطدم باقتصاد إجرامي عابر للحدود يمتلك المال والسلاح والقدرة على التجنيد.

إن الحديث عن حقوق الإنسان والديمقراطية لا يفقد قيمته بسبب انتشار الجريمة، لكن المفارقة تكمن في أن الدولة التي تنتقد أوضاع الأمن والحريات في دول أخرى، تجد نفسها اليوم أمام تحد داخلي يمس جوهر سيادتها. فحين تصبح بعض الأحياء مناطق نفوذ لعصابات المخدرات، وحين يقتل القاصرون في الشوارع، وحين تستهدف السجون بأسلحة نارية، فإن الأمر يتجاوز مجرد " انفلات أمني" عابر، ليصبح مؤشرا على أزمة أمنية في مواجهة عصابات تتطور بوتيرة أسرع من تطور أدوات الردع التقليدية.

وهو ما يؤشر حسب تقديرات الخبراء على أن فرنسا مقبلة على مرحلة إعادة صياغة عقيدتها الأمنية في مواجهة الجريمة المنظمة، تماما كما فعلت إيطاليا في حربها ضد المافيا.

غير أن نجاح هذه المعركة لن يتحقق فقط عبر القبضة الأمنية، بل يحتاج إلى معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تغذي اقتصاد المخدرات، وإلى إصلاح عميق للمنظومة السجنية، وتعزيز الرقابة داخل المؤسسات الأمنية، وتجفيف منابع الطلب المتزايد على المخدرات داخل المجتمع الفرنسي نفسه.

فالخطر الحقيقي اليومط لا يكمن فقط في قوة ونفوذ عصابات المخدرات، بل في تحول الجريمة المنظمة إلى " نظام مواز" ينازع الدولة سلطتها داخل بعض المجالات الترابية، وما أضحى يثيره من مخاوف من تحول "حرب المخدرات" إلى تهديد يمس الأمن القومي الفرنسي ذاته.