الروائية وئام المددي: القارئ أيضًا يصدم الكاتب لأن كل قارئ يقرأ من زاويته

الروائية وئام المددي: القارئ أيضًا يصدم الكاتب لأن كل قارئ يقرأ من زاويته وئام المددي

وئام المددي، كاتبة وروائية مغربية شابة، استطاعت أن تفرض حضورها في المشهد الأدبي من خلال تجربة تجمع بين الإبداع والبحث الأكاديمي، حيث راكمت تكوينًا علميًا في اللغة العربية وتحليل الخطاب، وتابعت مسارها في مجال الترجمة، ما منح كتابتها عمقًا خاصًا وتعددًا في الرؤى.
من القصة القصيرة إلى الرواية، شقّت طريقها بثبات، وكان لروايتها “الغجرية” صدى مميز تُوِّج بحصولها على جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي، لتؤكد أن الكلمة الصادقة قادرة على الوصول والتأثير.

في هذا الحوار نسلط الضوء عن المسار العلمي والأدبي لوئام المددي، قبل أن ننتقل للوقوف عند روايتها “الغجرية” واستكشاف أبرز قضاياها.

 

كيف بدأت رحلتك مع الكتابة؟ وهل كان التخصص في الأدب حلمًا من البداية؟

رحلتي مع الكتابة بدأت من الطفولة في الحقيقة. أبي كانت لديه خزانة ممتلئة بالكتب، وبالمناسبة أبي كان شاعرًا وروائيًا، وكان يشتغل أيضًا في مجال الصحافة، فتأثرت به، وكنت أقرأ هذه الكتب، وكان ينصحني بذلك ويشجعني على القراءة والمطالعة. فمنذ سن مبكرة اكتشفت لدي شغفًا بحب القراءة وبقراءة الأدب بالخصوص وبالإبداع أيضًا. طفولتي الإبداعية بدأت بالشعر، كنت أكتب محاولات شعرية، ثم انتقلت إلى القصة القصيرة، وبعد القصة القصيرة دخلت غمار الرواية، وكانت هذه الرواية هي رواية “الغجرية”؛ كتبتها سنة 2015، وفازت بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي، وحاليًا أشتغل على مشاريع روائية جديدة، لدي ثلاث روايات قيد الإنجاز.

بما أن لديك مسار أكاديمي في اللغة العربية، كيف ساهم هذا المسار في كتابتك؟

أنا عاشقة للغة العربية، كان بإمكاني أن أتوجه لشعبة اللغة الفرنسية وأدبها أو الإنجليزية، ولكن اخترت اللغة العربية لأنني عشقتها منذ الطفولة، وهي اللغة التي أبدع بها. وأكتب أيضًا باللغة الفرنسية، ولكن لدي عشق خاص للغة العربية. وبحكم أنني أستاذة في شعبة اللغة العربية، فهناك تكامل، حيث إنني أدرس مادة مناهج النقد الأدبي الحديث ومادة الرواية ومادة المسرح أيضًا، أو ما يسمى الآن النصوص الدرامية، فهنا يتكامل العقل الأكاديمي مع الروح الإبداعية.

ما الذي دفعك لكتابة “الغجرية”، وما أبرز القضايا التي أردت طرحها فيها؟

رواية “الغجرية” تنطلق من سؤال الهوية، باعتبارها معطى ثابتًا. الشخصية الرئيسية هنا، وهي قمر أو لونا (اسمها أيضًا لونا لأنها عاشت أيضًا بإسبانيا)، لكنها لم تكن تعلم أنها ذات أصول عربية. هذه الشخصية تعيش نوعًا من التوتر بين الانتماء والحياد، بين ما يُفرض عليها وما تختاره بنفسها. ورواية “الغجرية” لا تتعامل مع شخصيتها بصفة إثنية أو اجتماعية فقط، بل تتعامل معها بوصفها حالة وجودية
ترمز للترحال، الترحال الداخلي أقصد هنا، وليس الخارجي فقط، وأيضًا الرغبة في التحرر من الأطر الجاهزة. ومن خلال هذا المسار تحاول الرواية أن تلامس مناطق دقيقة من التجربة الإنسانية، حيث تتقاطع الرغبة بالذاكرة والحرية بالخوف، وبالثمن الذي يترتب عنه، لأن كل شخصية في هذه الرواية دفعت ثمن اختيارها. إنها في جوهرها رواية، بل يعني البحث عن الذات، عن المعنى، عن إمكانية أن يكون الإنسان صادقًا مع نفسه داخل عالم مليء بالقيود المرئية وغير المرئية.

بما أنك تكلمتِ عن الشخصيات الموجودة في رواية “الغجرية”، هذه الشخصيات من الأول تبدو مركبة ومعقدة نوعًا ما، هل هذه الشخصيات استلهمتها من الواقع أم هي جزء من الخيال؟

شخصيات رواية “الغجرية” بنيتها من خلال منطلق نفسي داخلي أكثر من اعتمادها على أدوار جاهزة داخل الحبكة. هي ليست بالضرورة ترجمة حرفية للشخصيات، كل شخصية تتحرك وفق توتر خاص بها، كل شخصية تحمل أثر ماضيها وهشاشتها ورغباتها التي لا تقابل دائمًا بشكل مباشر. لم يكن هدفي تقديم شخصيات متماسكة بشكل نهائي، بل تقديم شخصيات في حالة تشكل مستمر، يتكشف تدريجيًا عبر السرد، وأحيانًا عبر تناقضاتها. العلاقات أيضًا بين الشخصيات لا تُقدَّم بوصفها علاقات مستقرة، بل بوصفها فضاءات لسوء الفهم وإعادة التأويل، وهذا يجعل القارئ مدعوًّا للمشاركة في بناء المعنى بدل الاكتفاء بتلقيه.

اعتمدتِ أسلوبًا يجمع بين الواقعية والغموض، لماذا هذا الاختيار؟

الأسلوب كان يعتمد على المزج بين البعد التحليلي والبعد التصويري، والوعي باللغة يحضر كأداة للكشف لا مجرد وسيلة. في الكتابة حرصت أيضًا على الإيحاء بقدر ما أشتغل على التصريح، حيث إنني أترك للقارئ هامشًا للتأويل. لا أحب أن أشرح كل شيء للقارئ، أنا أثق بذكاء القارئ وأراهن عليه، لذلك أترك له بعض المساحات الغامضة التي يقوم بتأويلها وفق موسوعته الشخصية ومرجعيته الخاصة ونفسيته إلى غير ذلك من العوامل، لأن القارئ هو أيضًا مبدع يساهم في العملية الإبداعية إلى جانب الكاتب، ويقوم بإعادة تأويل النص، والنص ذاته بنية مفتوحة يمكن تأويله إلى معانٍ مختلفة، وأحاول أن أقوم بهذه المهمة دون أن يفقد الخيط السردي تماسكه، بما أن الإيقاع اللغوي يتغير تبعًا للحالة النفسية للشخصيات، لمحاولة خلق انسجام بين اللغة والعالم الداخلي للنص، ويمكن القول إنني أبحث من خلال هذا الأسلوب عن كتابة توازن بين العمق والبساطة، تمنح القارئ تجربة قراءة تتجاوز الحكاية لتصل إلى مستوى الإحساس والتفكير في آن واحد.

بما أنك ذكرتِ تأويلات القارئ، هل كان هناك تحليل لم تتوقعيه؟

طبعًا، القارئ دائمًا يفاجئنا بقراءته ليس الكاتب وحده يصدم القارئ، بل القارئ أيضًا يصدم الكاتب. كل قارئ يقرأ من زاويته. الكاتب يبدأ نصه، وحينما ينتهي من كتابة العمل الأدبي، أو لنقل نصًا، لأن إيزر يقول إن النص يصبح عملًا أدبيًا حين تتم قراءته، هنا تنتهي مهمة الكاتب وتبدأ مهمة القارئ. القارئ هنا يؤول النص، وربما الكاتب نفسه لم يكن يضع ذلك في الحسبان. دائمًا القراء يفاجئوننا بقراءة مبدعة، القراء أيضًا يبدعون.

ما أصعب مرحلة أثناء كتابة الرواية؟
نعم، هناك مراحل لن أقول إنها صعبة، إنما هي ممتعة وصعبة في آنٍ واحد. الدينامية النفسية للشخصيات مثلًا، أنا أحاول أن أبني الشخصيات بدينامية نفسية عميقة. الشخصية هنا تقوم بسلوك معين أو تظهر بمظهر معين، ولكنها تحمل في العمق طبقات نفسية معقدة، لديها دينامية نفسية مضمرة هي التي تحركها وتوجه سلوكياتها، والقارئ، بعد أن يتوغّل في الرواية، سيفهم لماذا كانت هذه الشخصيات
تقوم بهذه التصرفات أو تلك السلوكيات، ولماذا اختارت تلك الاختيارات بالضبط. أيضًا، في بعض الأحيان، الكاتب حينما يبني هذا المنطق الخاص أو هذا النمط النفسي للشخصية، يتفاجأ وهو يكتب بأن الشخصية تنطق بجملة لم يتوقعها، أو تقوم بتصرف لم يكن ينتظره. هنا تصبح هذه الشخصيات أشبه بشخصيات حيّة؛ لماذا؟ لأنها تملك منطقها الخاص، ولديها نمطها النفسي الخاص. وبالتالي، ستتصرف هذه الشخصيات داخل منطقها، وستكون منسجمة مع ذاتها. وإذا فرض عليها الكاتب جملة معيّنة، فسيحس أن هذه الجملة لا تتوافق مع هذه الشخصية. لذلك، وهو يكتب، قد يتفاجأ بجمل لم يكن يخطط لها مسبقًا؛ لأنه برمجها منذ البداية على نمط نفسي معيّن. ومن ثم، ستتصرف هذه الشخصية لاحقًا، في الفصول القادمة من الرواية، وفق هذا المنطق الداخلي الذي بناه لها الكاتب منذ البداية.

هل يمكن أن تتخذ الرواية، في بداية كتابتها، شكلًا معيّنًا لدى الكاتب، ثم تتحول عند اكتمالها إلى شكل مغاير؟

نعم. أعطيك مثالًا: أنا الآن أشتغل على رواية. في البداية، رسمت لها مسارًا معيّنًا، وكان هذا المسار يفرض أن تكون رواية ساخرة، تميل نوعًا ما نحو الكوميديا السوداء. لكنني، وأنا أبني الشخصيات، وضعت لها ماضيًا ثقيلًا، وجراحًا، وأنماطًا نفسية معقّدة، فصرت شيئًا فشيئًا أبتعد عن السخرية الصريحة وعن الكوميديا، وأتجه نحو التراجيدية. فتفاجأت بنفسي أكتب رواية تراجيدية وليست رواية كوميدية ساخرة؛ لأننا، حين نعطي للشخصية ماضيًا ثقيلًا ونمطًا نفسيًا معقّدًا، نهرب نحو التراجيدية، ذات الطابع الإنساني. وأنت، حين تمنحين هذه الشخصية ذلك الماضي الأليم وتلك التجارب القاسية، فإننا نتجه نحو التراجيدية ونبتعد، شيئًا ما، عن الجانب الكوميدي.

يلاحظ من خلال حديثك أنك تولين اهتمامًا كبيرًا بالجانب النفسي، فهل تتجه جميع كتاباتك في هذا المنحى؟

صراحةً، أنا أهتم بالمنهج النفسي في تحليل النصوص الأدبية، بل أيضًا بالقراءة النفسية للشخصيات. أنا شغوفة بعلم النفس، وأقرأ كثيرًا في هذا المجال؛ لذلك ستجدينني أهتم بالتحليل النفسي للشخصيات، وأحاول أن أبني بعمق البنية النفسية لها. فالدينامية النفسية للإنسان هي التي تحكم سلوكياته، طبعًا إلى جانب عناصر متعددة، لكنني أتحدث الآن من زاوية نفسية لأنني، بصراحة، أهتم بهذا المجال ولدي شغف كبير به. أكتب مقالات أحلّل فيها الروايات وشخصياتها من منظور نفسي، ومن زاوية المنهج النفسي. وأيضًا، حينما أكتب وأبدع، أُولي اهتمامًا خاصًا بهذا الجانب.

في نهاية هذا الحوار هل يمكن أن تقدّمي لنا نبذة موجزة عن روايتك المرتقبة التي ستصدر قريبًا؟

لديّ كما قلت هذه الرواية التي حدثتك عنها: الرواية الساخرة التي أصبحت تميل نحو التراجيدية. وهناك رواية أخرى تناقش موضوع، أو ظاهرة، العاطلين من أصحاب الشهادات العليا، وهي تتحدث عن مسار شخصيات حاصلة على شهادات عليا لكنها، مع الأسف الشديد، لا تجد عملًا، فتواجه مجموعة من التحديات داخل المجتمع. والرواية الأخرى هي رواية نفسية تغوص في أعماق نفسية بطلتها، البطلة هنا أستاذة، لكن الرواية تستكشف أعماقها النفسية وعلاقاتها مع الآخرين، وكيف ترى الحياة. وهي رواية يدخل فيها الجانب النفسي والفلسفي أيضًا.