دحمان المزرياحي: الربط القاري بين المغرب وأوروبا.. رؤية ملكية لبناء الجسور في عالم المضائق والأزمات

دحمان المزرياحي: الربط القاري بين المغرب وأوروبا.. رؤية ملكية لبناء الجسور في عالم المضائق والأزمات دحمان المزرياحي، موثق ورئيس مركز ابن بطوطة للدراسات العقارية

لم يكن مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا، عبر مضيق جبل طارق، مجرد فكرة هندسية عابرة أو حلمٍ تقني مؤجل، بل كان منذ بداياته تعبيرا عن رؤية سياسية وحضارية بعيدة المدى، آمن بها الملك الحسن الثاني رحمه الله، باعتبارها جسرا بين إفريقيا وأوروبا، وبين ضفتي المتوسط، وبين عالمين لا ينبغي أن تفصل بينهما الجغرافيا بقدر ما ينبغي أن تجمعهما المصالح المشتركة والتاريخ الإنساني الواحد.

وقد ظل هذا المشروع، رغم تعاقب التحولات الدولية والأزمات الجيوسياسية، حاضرا في التصور الاستراتيجي المغربي، ليجد امتداده الطبيعي في الرؤية التي يقودها اليوم جلالة الملك محمد السادس، ضمن منطق الاستمرارية التاريخية للدولة المغربية، حيث لا تنفصل المشاريع الكبرى عن عمقها الحضاري وعن دور المغرب كفضاء للوصل والتعاون والتكامل.

لقد كان الحسن الثاني يؤمن بأن الجغرافيا ليست لعنة تغلق الحدود، بل فرصة لخلق المصائر المشتركة، وهو الذي قال ذات يوم: “المغرب شجرة جذورها في إفريقيا وأغصانها في أوروبا”. لم تكن العبارة مجازا سياسيا فقط، بل اختصارا لموقع المغرب ووظيفته التاريخية، باعتباره نقطة التقاء بين القارات والثقافات والمصالح الاقتصادية. ومن هنا جاء التفكير المبكر في مشروع الربط القاري، ليس باعتباره نفقا تحت البحر فحسب، بل باعتباره إعلانا عن إرادة مشتركة لصناعة المستقبل خارج منطق العزلة والانغلاق.

ومع اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، اتسعت هذه الرؤية وأصبحت أكثر شمولا وواقعية، حيث جعل التعاون جنوب–جنوب أحد أعمدة السياسة الخارجية المغربية، بالتوازي مع ترسيخ شراكات متوازنة مع القوى الدولية الكبرى. فلم يعد المغرب يتحرك داخل مجال جغرافي محدود، بل انفتح على فضاءات متعددة، ونسج شبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية مع أوروبا والولايات المتحدة والصين ودول الخليج وإفريقيا جنوب الصحراء، في إطار سياسة تقوم على تنويع الشركاء وتحصين المصالح الوطنية داخل عالم سريع التحول.

وفي إفريقيا، لم يكتف المغرب بخطاب التضامن، بل ترجم توجهه إلى مئات اتفاقيات التعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والفلاحة والتكوين والبنية التحتية والمصارف والاتصالات. وقد شكلت العودة إلى الاتحاد الإفريقي محطة مفصلية في هذا المسار، إذ استعاد المغرب مقعده الطبيعي داخل مؤسسته القارية، ليس بمنطق رد الفعل، بل بمنطق المبادرة وصناعة التوازنات الجديدة داخل القارة.

ومن أبرز تجليات هذه الرؤية الاستراتيجية أيضا مشروع أنبوب الغاز المغربي–النيجيري، الذي لا يمثل مجرد مشروع طاقي ضخم، بل تصورا متكاملا للتنمية المشتركة ولربط غرب إفريقيا بفضاء أوسع من التعاون الاقتصادي والأمني. إنه مشروع يختصر فلسفة جديدة في العلاقات الدولية، قوامها الربط بدل الفصل، والتكامل بدل الهيمنة، والمصالح المشتركة بدل منطق المحاور المغلقة.

وفي السياق نفسه، يبرز المشروع الأطلسي الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس لفائدة الدول الإفريقية غير الساحلية، باعتباره تصورا غير مسبوق لإعادة رسم الخرائط الاقتصادية داخل القارة. فبدل أن تبقى تلك الدول رهينة العزلة الجغرافية، يقترح المغرب فتح منافذ أطلسية أمامها، بما يسمح بإدماجها في التجارة الدولية وتسهيل وصولها إلى الأسواق العالمية. إنها رؤية تجعل من الأطلسي فضاء للتنمية المشتركة، لا مجرد مجال للتنافس الجيوسياسي.

وفي عالم يتجه نحو مزيد من التوترات، تزداد أهمية مشاريع الربط والتكامل. فالأزمات المتلاحقة التي تعرفها الممرات البحرية الدولية، والتوترات المرتبطة بمختلف المضائق، لاسيما بمضيق هرمز، وما تثيره من مخاوف حول أمن الطاقة وحرية الملاحة الدولية، تكشف هشاشة الاقتصاد العالمي أمام منطق الاحتكار الجغرافي للمضائق والمعابر الاستراتيجية. ولأول مرة في العلاقات الدولية الحديثة، أصبحت بعض القوى الإقليمية قادرة على التأثير المباشر في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة عبر التهديد بإغلاق أو التضييق على الممرات البحرية الحيوية.

وفي هذا السياق، يكتسب مشروع الربط القاري بين المغرب وأوروبا بعدا يتجاوز الحسابات الثنائية بين الرباط ومدريد، ليصبح جزءا من تفكير دولي جديد يبحث عن بدائل آمنة ومستقرة لتعزيز الترابط بين القارات وضمان انسيابية التجارة الدولية بعيدا عن مناطق التوتر. فالمغرب، بحكم موقعه واستقراره ورؤيته المنفتحة، مؤهل لأن يكون منصة استراتيجية للتعاون الدولي، لا سيما في ظل عالم تتزايد فيه النزاعات والحروب الاقتصادية.

وقد أكدت شخصيات دولية عديدة عبر العقود أهمية حرية الملاحة والتعاون العابر للقارات. فالرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي كان يعتبر أن “التجارة الحرة والممرات المفتوحة هي ضمانة السلام بين الأمم”، بينما شدد الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان على أن “التعاون الدولي ليس خيارا أخلاقيا فقط، بل ضرورة لبقاء العالم مستقرا”. وهي أفكار تجد صداها اليوم في الرؤية المغربية التي تضع التعاون والتنمية المشتركة في مواجهة منطق الصراع والتكتلات المغلقة.

إن مشروع الربط القاري ليس مجرد مشروع نفق تحت البحر، بل فكرة سياسية وحضارية تعاكس روح الانقسام التي تطبع العالم اليوم. إنه رسالة تقول إن المستقبل لا يبنى بالجدران والأساطيل والحروب الباردة، بل ببناء الجسور، وتحرير حركة البشر والبضائع والأفكار، وتحويل الجغرافيا من عنصر توتر إلى فضاء للتكامل الإنساني. ومن هنا، فإن استحضار هذا المشروع اليوم، وسط اضطراب الملاحة الدولية وتزايد النزاعات حول الممرات الاستراتيجية، ليس ترفا فكريا، بل دعوة لإعادة الاعتبار لمنطق التعاون الدولي الذي يجعل من الربط بين القارات مدخلا لصناعة السلام والتنمية والاستقرار.

 

دحمان المزرياحي /موثق ورئيس مركز ابن بطوطة للدراسات العقارية