الأستاذ الباحث والمخرج مسعود بوحسين ومشهد من اللقاء
في إطار فعاليات الندوة الدولية "الكتابة والإخراج المسرحي الروابط. التحولات. والبيداغوجيا" واكبت جريدة "أنفاس بريس" تقديم الأستاذ الباحث والمخرج مسعود بوحسين، مداخلته القيمة الموسومة بـ "التجريب في الإخراج المسرحي من الهامش المقاوم إلى مختبر الابتكار وإعادة النظر في القواعد". وقد اعتبر المحاضر بأن اللقاء/الدورة الأولى للندوة الفكرية الدولية هي "فرصة لتبادل تعدد التجارب بوجود فنانين ومفكرين في المجال المسرحي".
ـ إليكم عصارة ورقة الأستاذ مسعود بوحسين:
تناول المحاضر في بداية حديثه، علاقة المعرفة، وعلاقة الشروط الاقتصادية والاجتماعية بالإبداع المسرحي من خلال مفهوم التجريد. واستند في تحليله على ثلاث نقط أساسية كمفاتيح لـ "الدرس الأكاديمي" الذي قدمه أمام جمهور غفير تفاعل بشكل مبهر مع محور الندوة.
1 ـ يمكننا أن نفكر بشكل جيد في الفن، ولكننا قد لا ننتج فنا.
2 ـ يمكننا أن نمارس الفن بدرجة كبيرة من الاحترافية، ولكننا لا نستطيع أن ننجز معرفة حول الفن.
3 ـ يمكننا أن نفكر بشكل إبداعيا في الفن وحالما ومثالي، لكننا قد نصطدم بشروطه الاقتصادية والاجتماعية.
ثلاث نقط توتر ما بين الإبداع والمعرفة والنجاعة الاقتصادية:
أمام هذه الوضعية ومفاتيحها الثلاث، أكد المبدع بوحسين أنه "نصبح كفنانين في نظر المجتمع أشبه بالحالمين الذين يعيشون في عوالم أخرى غير عالم الواقع". حيث اعتبر المفاتيح الثلاث أنها "نقط توتر، ما بين الإبداع والمعرفة والنجاعة الاقتصادية"، لأنه يجب أن لا ننسى أن "الفن المسرحي من الفنون المؤسساتية" حسب قوله.
واستشهد في هذا السياق، بالفنانة جليلة بكار التي أشارت إلى هذه العلائق في سياق شهادتها السابقة ضمن فعاليات الندوة الدولية: "لا يمكن أن نمارس المسرح خارج مفهوم المؤسسة سواء كانت تابعة للدولة أو القطاع الخاص..." على اعتبار أن "المسرح فن جماعي مقارنة بمجالات أخرى إبداعية والتي يمكن أن تمارس من قبل الفرد في وقت فراغه". بمعنى أن الإبداع يحتاج إلى "شروط وتنظيم وعمل جاد ومسؤول".
نقد مفهوم الصناعة الثقافية:
ركز الفنان مسعود بوحسين في مداخلته على ما يتعلق بـ "مفهوم الصناعات الثقافية والإبداعية الذي أصبح من المسائل التي يروج لها حاليا". والتي هي في الواقع كـ "توصيات واتفاقيات دولية ومفاهيم اقتصادية ثقافية" مشيرا إلى أنها قد "تبدو منطقية وواقعية لكنها لا تؤخذ دائما هكذا عندما تتحول إلى "إشراك السياسي في التعامل مع الفن". حسب تعبيره
وتساءل في هذا السياق، هل هذه المعطيات جديدة في الممارسة المسرحية؟ ليجيب المتلقي بأنها قديمة، حيث أوضح بأن "المسرح كان دائما يحتاج للمؤسسة، والفن بصفة عامة يحتاج للمؤسسة. كان يعتبر تارة حرفة، وتارة إبداعا". وذكر بأن "الشعر كان ينظر إليه كصنعة وحرفة". وتناول بالدرس والتحليل "مفهوم تمثل الفن" باعتباره "لا يخرج عن إطار المنجز الذي يتطلب تقنية، ومعرفة، ودراية بالدرجة الأولى".
فلسفة فن التجريب:
من جهة أخرى تحدث المحاضر عن النظرة الفلسفية للفن بصفة عامة، موضحا "الشي الذي يميزها بعد أن أصبحت تنظر للفن كتجربة". أي أنه "لا يمكن استخراج أي مفهوم أو حكم إلا بطبيعة الشيء أو الموضوع كما يمارس في الواقع". واستحضر عينات من الفلاسفة الذين تحدثوا عن "الفن كتجربة. وكيف يعاش؟ وكيف يتم الحكم؟ وتفكيك هذه العناصر"..
وخلص المبدع مسعود بوحسين إلى "أن المعرفة بالفن ليست هي تجربته. وهنا يبرز دور الباحث الجمالي، وليس الموقف الجمالي. على اعتبار أن الموقف الجمالي يعاش وموقف الباحث الجمالي هو الذي يدرس التجربة الفنية". ولم يفت المحاضر أن يتحدث عن "المعيارية حين تصبح عائقا أمام الإبداع". وأضاف قائلا: "أنه عندما يتعلق الأمر بالأبداع، فالعلاقة تصبح خطيرة عندما تتحول القاعدة إلى عائق، أما إذا كانت تلهم وينطلق منها المبدع لكي يبدع وفق ذاتيه".
المعيارية...عوائق الإبداع وحواجز الشروط الاقتصادية والاجتماعية:
أكد نفس المتحدث بأن "العرض المسرحي يحتاج إلى نفقات ومواد ولوجستيك، وإجراءات إدارية وغيرها، وبالتالي تصبح لدينا قواعد أخرى يحتمل أنها تكون عائق أمام الإبداع. في علاقة مع الشروط الاجتماعية والاقتصادية ذات الصلة بالتعاقدات والجمهور الذي ينتظر منتوجا تعود عليه. مما يسقط الفنان في معيارية ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية. وعلى مستوى تكوين الممثل، أو المخرج أو الفنان، تسائل بوحسين بالقول: "هل سنقوم بتكوينه بطريقة براغماتية تقنية، لكي يكتشف هذه الإكراهات جميعها. أم نقوم بتكوينه ليكون مبدعا داخل الإكراه؟"
في اعتقاده حسب مضمون محاضرته وصف هذا الأمر بأن هذه هي "المعادلة الصعبة". علما أن "الحل يكمن في مفهوم أساسي هو مفهوم التجريب ـ حسب المحاضر ـ مع بعض التحديدات التي يعتبرها ضرورية". وقال بأن مفهوم التجريب عادة في العالم العربي "يفهم كما أن هناك تيارا، وأكد بأن التجريب ليس بتيار. لأنه يفترض سيرورة الإبداع، والسيرورة تنتهي بعمل".
وشدد على أن "الفن يجب أن يكون له معنى مؤسساتي. أن يرتبط بالتكوين والتكوين المستمر. والمزاوجة بين التكوين والتفكير العلمي في سيرورة الإبداع في حد ذاتها". بمعنى أن "العملية لا ترتبط فقط بأن يتعلم الطالب ـ مثلا الممثل ـ تقنيات تحوله إلى أن يؤدي ويلعب دورا واحدا. وحين يستمر في إعادة التقنية وتكرارها لن يصبح مبدعا".
في الحاجة إلى معهد يكون ملاذا لتطوير الطاقات والملكات:
نفس الشي بالنسبة للمخرج المسرحي، بمعنى يصبح "يتعامل بشكل تقني مع آلات التصوير بدون عمق وبدون رؤيا، ولذلك ومع مرور الوقت نحتاج إلى هذه الرؤيا التي يجتمع فيها الإبداع والممارسة التقنية في مجال آمن وهو المدرسة/المعهد الذي يجب أن يكون ملجأ من أجل تجديد الطاقات الإبداعية حتى بالنسبة للمهنيين لكي يصبح التكوين يؤثر في الممارسة ويحطم كل ما هو نمطي".
وأعطى مثالا بكلمة "الأستوديو" التي تعني في اللغة الروسية، أنه لدينا ممارسة سينمائية يجب أن تشتغل وتنتج، ولكن في نفس الوقت عندنا مجال حيث يجرب الممثلون طاقاتهم وملاكتهم الإبداعية ويتطورون خارج إكراهات وسيرورة العمل الإنتاجية. وهذا هو مفهوم الصناعة. وأنهى مداخلته بتوصيات مهمة تخص الماستر الجديد بالمعهد العالي "إيزاداك"، حيث أكد على أنه يجب أن ينحو هذا المنحى، وهذا الاتجاه من حيث تصوره البيداغوجي، وطريقة تنظيم وتقديم الدروس، مؤكدا على أن الإخراج يختلف عن التشخيص. وأن يُكَوِّنَ تقنيين وفي نفس الوقت مبدعين. وأن يكون ملاذا ومرجعا لكل من يريد أن يطور طاقاته الإبداعية.