جانب من اللقاء
أكدت أمينة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أن إلغاء عقوبة الإعدام لم يعد مجرد مطلب حقوقي، بل تحول إلى رهان مجتمعي يعكس مستوى تطور الوعي بقيم الحياة والكرامة الإنسانية.
جاء ذلك خلال كلمة لها في لقاء وطني احتضنه المجلس يوم الجمعة 15 ماي 2026، بمقره بالرباط حول إلغاء عقوبة الإعدام، في إطار مبادرة حقوقية لتوسيع قاعدة الشباب المناصرين للحق في الحياة، شارك فيها شباب من الجهات الـ 12، تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة.
وشددت بوعياش، في افتتاح اللقاء الختامي لمشاورات جهوية حول توسيع قاعدة الشباب الداعمين لإلغاء عقوبة الإعدام، على أن هذه القضية تتجاوز بعدها القانوني لتلامس عمق فلسفة العدالة وحدودها، وتطرح تساؤلات جوهرية حول حماية الحق في الحياة ومعنى الكرامة الإنسانية.
وأبرزت المتحدثة أن انخراط الشباب، القادمين من مختلف جهات المملكة، يعكس تحولا نوعيا في النقاش العمومي، معتبرة أن التحولات الحقوقية لا تُبنى داخل فضاء ترافعي واحد، بل عبر مساهمات متعددة تشمل المؤسسات التعليمية والفضاءات الرقمية ومختلف أشكال التعبير.
وأضافت أن الجيل الجديد يعيش تحولات عميقة تتقاطع فيها الثورة الرقمية مع التغيرات الاجتماعية، ما يفرض إعادة التفكير في طبيعة الفضاء العمومي وأدوار الفاعلين داخله، مؤكدة أن الشباب مدعوون إلى لعب دور محوري في تجديد النقاش حول قضايا الشأن العام، وفي مقدمتها عقوبة الإعدام، سواء من حيث المضمون أو الأدوات والآليات.
وفي سياق متصل، توقفت بوعياش عند المفارقة التي تجسدها عقوبة الإعدام داخل المنظومات القانونية الحديثة، حيث تُمارس باسم حماية المجتمع، لكنها تُنتج قرارات نهائية لا تقبل المراجعة، مشيرة إلى أن أي منظومة قضائية، مهما بلغت دقتها، تظل عرضة للخطأ، وهو ما يجعل هذا النوع من العقوبات ينطوي على مخاطر لا يمكن تداركها.
وطرحت رئيسة المجلس سؤالين اعتبرتهما جوهر النقاش: هل يمكن للعدالة أن تظل عادلة حين تغلق بابها الأخير دون رجعة؟ وهل يمكن حماية الحياة عبر آلية قانونية تنهيها باسم حمايتها؟ مؤكدة أن الإجابة عن هذين السؤالين لا تقتصر على البعد القانوني، بل تمتد إلى فلسفة العدالة ذاتها.
كما دعت إلى تجاوز الثنائيات التقليدية التي تختزل النقاش في موقف “مع أو ضد”، والعمل على بناء قناعة مجتمعية واعية تقوم على مساءلة الأسس الفكرية والثقافية التي تؤطر مفهوم العقاب، معتبرة أن دينامية المجتمعات تقاس بقدرتها على إعادة النظر في المسلمات وفتح النقاش حول ما يبدو بديهيا.
وأشارت بوعياش إلى أن التجربة المغربية في مجال حقوق الإنسان أظهرت أن الإصلاح يتم عبر التراكم والانخراط الجماعي، معتبرة أن الوقت قد حان لاتخاذ "الخطوة الأخيرة" في مسار إلغاء عقوبة الإعدام، خاصة في ظل ما وصفته بالتردد التشريعي المستمر منذ سنة 2011.
ودعت بوعياش الشباب إلى مواصلة النقاش والاختلاف البناء، والمساهمة في إنتاج خطاب يعيد الاعتبار لقيمة الحياة ويقارب العدالة من زاوية إنسانية شاملة، مؤكدة أن إلغاء عقوبة الإعدام يظل في نهاية المطاف تعبيرا عن انتقال المجتمع من تصور للعدالة قائم على الإنهاء إلى تصور يؤمن بإمكانية التغيير واستمرارية الحياة.