صبوري حسن
يشهد المغرب في المرحلة الراهنة ورشا إصلاحيا عميقا يستهدف إعادة بناء المنظومة الصحية على أسس حديثة تستجيب للتحولات الديمغرافية والوبائية والاجتماعية، وتنسجم مع التزامات الدولة في مجال تعميم الحماية الاجتماعية. ويقود هذا التحول الاستراتيجي وزارة الصحة والحماية الاجتماعية عبر حزمة تشريعية متكاملة تضم مجموعة من القوانين، والتي تشكل إطارا قانونيا جديدا يؤسس لنموذج صحي أكثر تكاملا وفعالية وإنصافا.
و يعتبر القانون الإطار رقم 06.22 بمثابة العمود الفقري لهذا الإصلاح، إذ لا يقتصر دوره على التنظيم، بل يتجاوز ذلك إلى رسم معالم رؤية استراتيجية شاملة للمنظومة الصحية الوطنية. فقد جاء هذا القانون ليحدد المبادئ المؤطرة للعمل الصحي، مثل العدالة في الولوج إلى الخدمات، والاستمرارية في تقديم الرعاية، والجودة، والسلامة الصحية. كما وضع تصورا متكاملا لسير المنظومة الصحية، من خلال تحديد أدوار الفاعلين وتوزيع الاختصاصات بين المستويات المركزية والجهوية والمحلية، في انسجام مع مبدأ اللاتمركز الإداري. ومن بين أهم مستجدات هذا القانون، إرساء مفهوم المسار الصحي للمريض، الذي يهدف إلى تنظيم تنقل المواطن داخل المنظومة الصحية بشكل يضمن له الاستفادة من خدمات متكاملة ومنسقة، بدءا من الرعاية الأولية وصولا إلى الخدمات الاستشفائية المتخصصة. كما أكد القانون على ضرورة رقمنة القطاع الصحي، من خلال اعتماد نظم معلوماتية حديثة لتدبير المعطيات الصحية، مما يعزز فعالية التدخلات الصحية ويساهم في تحسين جودة الخدمات.
وفي إطار تعزيز الحكامة الصحية، جاء القانون رقم 07.22 ليحدث الهيئة العليا للصحة كآلية مستقلة للتقويم والتوجيه. ولا تقتصر وظيفة هذه الهيئة على التقييم التقني، بل تشمل أيضا لعب دور استراتيجي في توجيه السياسات العمومية الصحية، من خلال تقديم آراء وتوصيات مبنية على معطيات علمية دقيقة. كما تضطلع الهيئة بمهمة إعداد تقارير دورية حول وضعية الصحة بالمغرب، وتحليل مؤشرات الأداء، مما يتيح لصناع القرار إمكانية اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة. وتكتسي استقلالية هذه الهيئة أهمية خاصة، حيث تضمن حيادها ومصداقيتها، وتحد من تضارب المصالح، وهو ما يعزز ثقة المواطنين في المنظومة الصحية وفي القرارات المتخذة بشأنها.
أما القانون رقم 08.22، فقد شكل نقلة نوعية في تنظيم العرض الصحي، من خلال إحداث المجموعات الصحية الترابية، التي تعد تجسيدا فعليا لمبدأ الجهوية الصحية. فبدل التدبير المركزي الذي كان يحد من فعالية الخدمات، أصبحت هذه المجموعات تتولى تنسيق وتدبير مختلف المؤسسات الصحية على المستوى الترابي، وفق خصوصيات كل جهة.
وتتمتع هذه المجموعات بنوع من الاستقلال الإداري والمالي، مما يمكنها من اتخاذ قرارات سريعة وفعالة تتلاءم مع الحاجيات المحلية. كما تتيح إمكانية ترشيد الموارد، سواء البشرية أو المادية، عبر توزيعها بشكل متوازن بين مختلف المؤسسات الصحية. ومن شأن هذا التنظيم الجديد أن يحد من الاكتظاظ في المستشفيات الكبرى، ويعزز دور المراكز الصحية القريبة من المواطنين، مما يساهم في تحسين جودة الخدمات وتقليص الفوارق المجالية.
وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، جاء القانون رقم 09.22 ليعالج أحد أبرز التحديات التي كانت تعاني منها المنظومة الصحية، والمتمثل في ضعف جاذبية الوظيفة الصحية وهجرة الكفاءات. فقد وضع هذا القانون إطارا قانونيا جديدا ينظم مسار الأطر الصحية، من التوظيف إلى الترقية، مع ضمان حقوقهم المهنية والاجتماعية. ومن أبرز مستجداته، إقرار نظام وظيفي أكثر مرونة، و يشجع على الاستقرار المهني، إضافة إلى تعزيز التكوين المستمر كآلية أساسية لتطوير الكفاءات. كما نص على تحسين ظروف العمل، سواء من حيث الأجور أو بيئة العمل، بما يضمن تحفيز الأطر الصحية والرفع من مردوديتها. ومن شأن هذه الإجراءات أن تساهم في استقطاب الكفاءات والحد من نزيف الهجرة نحو الخارج.
وفي سياق تعزيز الأمن الدوائي، جاء القانون رقم 10.22 ليؤسس للوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، التي تضطلع بدور محوري في تنظيم القطاع الدوائي وضبطه. وتتمثل أهمية هذه الوكالة في كونها جهازا تقنيا متخصصا يسهر على ضمان جودة الأدوية وسلامتها، من خلال مراقبة مختلف مراحل تصنيعها وتوزيعها. كما تلعب دورا استراتيجيا في دعم الصناعة الدوائية الوطنية، عبر تشجيع الاستثمار في هذا المجال، وتقليل الاعتماد على الاستيراد. وتندرج هذه الجهود في إطار تحقيق السيادة الدوائية، التي أصبحت من أولويات السياسات الصحية في ظل الأزمات العالمية، كما هو الحال خلال جائحة كوفيد-19.
أما القانون رقم 11.22، فقد جاء ليؤطر تدبير الدم ومشتقاته بشكل مؤسساتي حديث، عبر إحداث الوكالة المغربية للدم ومشتقاته. ويعد هذا الإصلاح ذا أهمية بالغة، نظرًا لحساسية هذا المورد الحيوي وارتباطه المباشر بحياة المرضى. وتتولى هذه الوكالة تنظيم عمليات جمع الدم، وضمان جودته وسلامته، وتوزيعه بشكل عادل بين مختلف المؤسسات الصحية. كما تعمل على تطوير ثقافة التبرع بالدم، وتحسين تدبير المخزون الوطني، بما يضمن الاستجابة السريعة للحاجيات، خاصة في حالات الطوارئ. وينتظر أن يسهم هذا التنظيم الجديد في تجاوز الاختلالات التي كانت تعرفها منظومة نقل الدم، وتحقيق مستوى أعلى من النجاعة والجودة.
إن هذا الإصلاح التشريعي الشامل يعكس تحولا عميقا في مقاربة الدولة لتدبير القطاع الصحي، حيث لم يعد الأمر مقتصرا على تحسين الخدمات، بل أصبح يهدف إلى إعادة بناء المنظومة الصحية بشكل متكامل، يضع المواطن في صلب اهتماماته. كما يؤكد هذا الورش على أهمية الالتقائية بين مختلف السياسات العمومية، وعلى ضرورة إشراك جميع الفاعلين، من مؤسسات عمومية وقطاع خاص ومجتمع مدني. ورغم الأهمية الكبرى لهذه القوانين، فإن التحدي الحقيقي يكمن في حسن تنزيلها على أرض الواقع، من خلال توفير الموارد المالية والبشرية الكافية، وتعزيز قدرات التدبير على المستوى الترابي، وضمان التنسيق الفعال بين مختلف المتدخلين. كما يتطلب الأمر مواكبة مستمرة وتقييما دوريا لقياس أثر هذه الإصلاحات، وتصحيح الاختلالات المحتملة. وفي المحصلة، تمثل القوانين 06.22 إلى 11.22 منعطفا حاسما في مسار إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الحكامة، الجودة، والعدالة الصحية، بما يضمن للمواطن حقه في الولوج إلى خدمات صحية لائقة، ويعزز مكانة النظام الصحي الوطني في مواجهة التحديات المستقبلية.