آمنة مراد
في الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمات الاجتماعية داخل المجتمعات الإسلامية، من بطالة وفقر وهشاشة وتفاوت طبقي، كان يُفترض أن يجد اليسار نفسه في موقع متقدم داخل المجال السياسي باعتباره التيار الذي يرفع شعارات العدالة الاجتماعية والدفاع عن الفئات الشعبية. غير أن الواقع يكشف مفارقة لافتة؛ إذ ظل اليسار في البلدان الإسلامية، في كثير من تجاربه، عاجزًا عن التحول إلى قوة جماهيرية واسعة، بينما نجحت تيارات أخرى، خصوصًا ذات المرجعية الدينية أو المحافظة، في بناء امتداد شعبي أكثر رسوخًا.
هذه المفارقة تطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا أخفق اليسار، رغم عدالة جزء مهم من أطروحاته الاجتماعية، في اكتساب ثقة القاعدة الشعبية؟ وهل تكمن الأزمة في المبادئ نفسها، أم في طريقة تنزيلها داخل مجتمع ذي مرجعية ثقافية ودينية مغايرة للسياق الذي وُلدت فيه الأفكار اليسارية الكلاسيكية؟
لقد ارتبطت التجربة اليسارية في البلدان الإسلامية تاريخيًا بتأثيرات ماركسية أوروبية تشكلت داخل سياق حضاري خاص، اتسم بصراع طويل مع الكنيسة وبصعود الرأسمالية الصناعية. لذلك جاءت مفاهيم مثل العلمنة والصراع الطبقي والتحرر من السلطة الدينية مرتبطة بظروف تاريخية أوروبية محددة. غير أن محاولة نقل هذه التصورات إلى المجتمعات الإسلامية بشكل شبه حرفي أفرزت نوعًا من الاغتراب الإيديولوجي، حيث بدا الخطاب اليساري أحيانًا منفصلًا عن البنية الثقافية والرمزية للمجتمع.
ولا يعني ذلك أن قيم اليسار، كالعدالة والمساواة والكرامة، تتعارض بالضرورة مع المرجعية الإسلامية أو مع الوعي الشعبي، بل إن الإشكال يكمن أساسًا في الكيفية التي قُدمت بها هذه القيم. ففي حالات كثيرة، بدا بعض اليساريين وكأنهم يخوضون معركة رمزية ضد الهوية الثقافية للمجتمع أكثر من انشغالهم ببناء مشروع اجتماعي قادر على معالجة قضايا التعليم والصحة والبطالة والكرامة الإنسانية.
ومن هنا يمكن فهم جانب من أزمة اليسار التنظيمية. إذ إن بعض التنظيمات انزلقت نحو نوع من الشكلانية الإيديولوجية، حيث أصبح الانتماء يُقاس أحيانًا بمدى الالتزام برموز معينة أو بمواقف ثقافية محددة، أكثر من ارتباطه بالكفاءة السياسية أو الحس الاجتماعي. وفي هذا السياق، يشعر بعض المنخرطين بأن التنظيم يراقب المظهر والخلفية الفكرية للأفراد أكثر مما ينصت إلى أسئلتهم الحقيقية أو إلى معاناتهم اليومية. وهكذا تتحول الإيديولوجيا من أداة لتحليل الواقع إلى معيار للفرز والهُوية المغلقة.
ولا يمكن فهم أزمة اليسار في البلدان الإسلامية دون التوقف عند طبيعة ممارسته التنظيمية والسياسية. فإلى جانب الإشكال المرتبط بالمرجعية الفكرية، برزت داخل بعض التنظيمات اليسارية مظاهر أخرى ساهمت في توسيع الهوة بينها وبين الفئات الشعبية، من قبيل الانغلاق التنظيمي، والصراعات الداخلية، وهيمنة الخطابات النظرية الجامدة، إضافة إلى ما يمكن تسميته بـ”لغة الخشب السياسية” التي تكرر الشعارات نفسها دون قدرة حقيقية على ملامسة الواقع الاجتماعي المعقد.
لقد تحولت بعض التنظيمات، في أحيان كثيرة، إلى فضاءات للنقاش الإيديولوجي المغلق أكثر من كونها أدوات للنضال الميداني. فأصبحت الخلافات الداخلية حول المواقع والزعامة والصراعات التنظيمية تستنزف جزءًا كبيرًا من طاقتها، بينما ظلت الفئات الهشة تنتظر فاعلًا سياسيًا قادرًا على النزول إلى الميدان، والاستماع إلى همومها اليومية، والدفاع عن قضاياها المعيشية بلغة بسيطة وقريبة من الناس.
ومن هنا تبدو إحدى أكبر مفارقات اليسار في هذه البلدان: أنه يرفع خطاب الدفاع عن الطبقات الشعبية، لكنه يفشل أحيانًا في بناء علاقة عضوية حقيقية معها. إذ لا يكفي الحديث عن الفقراء والمحرومين داخل البيانات والندوات، بل يتطلب الأمر التوغل داخل الواقع الاجتماعي نفسه، ومعانقة الهامش، وفهم التحولات النفسية والثقافية التي يعيشها المواطن البسيط، بعيدًا عن التعالي النخبوي أو الحسابات السياسية الضيقة.
لقد نجحت الحركات المحافظة أو الإسلامية، بدرجات متفاوتة، في بناء نوع من القرب الرمزي مع المجتمع، لأنها خاطبت الناس بلغتهم الثقافية والدينية، وقدمت نفسها باعتبارها امتدادًا لهوية جماعية مألوفة. بينما بدا الخطاب اليساري، في بعض الأحيان، نخبويًا ومشحونًا بمفاهيم مستوردة لا تجد دائمًا صدى داخل الوعي الشعبي.
وقد تنبه عدد من المفكرين إلى هذه الإشكالية منذ عقود. فقد ناقش أنطونيو غرامشي أهمية “الهيمنة الثقافية” وضرورة ارتباط أي مشروع سياسي بالبنية الثقافية للمجتمع، بينما حاول محمد عابد الجابري وعبد الله العروي مساءلة إشكال العلاقة بين الحداثة والخصوصية التاريخية العربية، كلٌّ من زاويته الخاصة. كما أشار مالك بن نبي إلى أن أي مشروع حضاري يفشل عندما يعجز عن فهم شروط البيئة الاجتماعية التي يتحرك داخلها.
إن أزمة اليسار في البلدان إلإسلامية لا تختزل إذن في ضعف التنظيم أو قلة الموارد، بل ترتبط أيضًا بعجزه عن بناء مصالحة حقيقية بين مشروعه الاجتماعي وبين المرجعية الثقافية للمجتمع. فالتغيير السياسي لا يمكن أن يتحقق عبر القطيعة التامة مع البنية الرمزية السائدة، ولا عبر استيراد نماذج جاهزة من سياقات مختلفة، بل من خلال القدرة على إنتاج خطاب إصلاحي متجذر في الواقع المحلي وقادر في الوقت نفسه على الدفاع عن الحرية والعدالة والكرامة.
كما أن أي مشروع تغييري يفقد قيمته حين يتحول إلى مجرد صراع حول المواقع والكراسي، أو حين يصبح أسيرًا للذاتية والانغلاق الإيديولوجي. فالأحزاب لا تُقاس بصلابة خطابها النظري فقط، بل بقدرتها على بناء الثقة داخل المجتمع، وعلى تحويل الأفكار إلى حضور إنساني وسياسي فعلي وسط الناس.
إن المجتمعات الإسلامية لا ترفض بالضرورة قيم العدالة الاجتماعية، لكنها كثيرًا ما ترفض الطريقة التي تُقدَّم بها حين تبدو مناقضة لهويتها أو متعالية على معتقداتها. لذلك فإن مستقبل اليسار في العالم الإسلامي لن يتحدد بمدى وفائه الحرفي للنصوص الإيديولوجية الكلاسيكية، بل بقدرته على إعادة صياغة مشروعه بلغة تنبع من المجتمع نفسه، لا من خارجه، وبمدى نجاحه في الانتقال من الطوباوية النظرية إلى الفعل الاجتماعي القادر على ملامسة الواقع وتحويله.
آمنة مراد - عضوا تيار اليسار الجديد المتجدد