منير لكماني: عبد الوهاب الدكالي.. مرسول الفن الراقي وقيثارة الوجدان المغربي

منير لكماني: عبد الوهاب الدكالي.. مرسول الفن الراقي وقيثارة الوجدان المغربي منير لكماني

ليست الموسيقى عند عبد الوهاب الدكالي نغما يمر على الأذن ثم يمضي، ولا متعة عابرة تشتعل في المساء وتنطفئ مع آخر تصفيق. إنها عنده أصل من أصول الوجود، ونفس خفي يسري في الأشياء، حتى كأن الكون كله آلة كبرى، يعزف عليها الهواء والرعد والمطر والطير والكلام. فالريح، حين تهب، موسيقى؛ والرعد، حين يدوي، موسيقى؛ والعصفور، حين يوقظ الصباح، موسيقى؛ بل إن الكلام نفسه لا يكون كلاما إلا لأن فيه نبرة ووزنا وجرسا. كأن الدكالي لا يسمع العالم كما يسمعه الناس، بل يصغي إليه كما يصغي العاشق إلى سر بعيد.

ومن هذا الإصغاء العميق تنبع فلسفته في الفن. فالموسيقى، في نظره، ليست لغة شعب دون شعب، ولا ملك أمة دون أمة، بل هي لسان الإنسان حين تعجز الألسنة. إنها الجسر الذي تعبر فوقه الأرواح، حين تضيق بها الجغرافيا وتفصلها الحدود. الأغنية الصادقة لا تحتاج إلى ترجمان؛ تدخل القلب من غير إستئذان، وتوقظ في الإنسان ما هو أقدم من اللغة وأصفى من الخطاب: الحنين، الفرح، الخوف، الرجاء، والمحبة. لذلك تصبح الموسيقى، حين تحمل رسالة نبيلة، قوة ناعمة تجمع ما فرقته السياسة، وتقرب ما باعدته العصبيات.

ومن هذا المعنى الإنساني الواسع جاء تكريم الدكالي من قداسة البابا بنديكت السادس عشر. لم يكن التكريم عنده وساما يضاف إلى الذاكرة، بل علامة على أن الفن الصادق يستطيع أن يبلغ مقام الإعتراف الروحي. فهو الفنان العربي المسلم الذي لم تجمعه بالكنيسة علاقة مباشرة، غير أن إحترامه للأديان السماوية كان أعمق من المجاملة وأرفع من البروتوكول. لقد رأى في الأنبياء جميعا إمتدادا لنور واحد، وفي الرسالات السماوية دعوة إلى الرحمة والمحبة والسمو. لذلك تلقى التكريم بوصفه إعترافا برسالة فنان جعل صوته في خدمة الإنسان، لا في خدمة الطرب وحده.

ولم يقف تأثره عند حدود الشكر، بل ترجم إمتنانه بريشة الفنان أيضا، فرسم بورتريها زيتيا للبابا، كأنما أراد أن يرد التحية بلغة اللون كما ردها من قبل بلغة اللحن. في هذه اللمسة يظهر الدكالي كاملا: فنانا يؤمن بأن الجمال واحد، وأن الفن، مهما إختلفت أدواته، رسالة أخرى، وسلام آخر، وطريقة أرقى لمخاطبة الإنسان في أعماقه.

وفي علاقته بالموسيقى الغربية، لم يكن الدكالي مقلدا ولا منبهرا، بل باحثا عن السر. لقد ظل وفيا لعمالقة الأغنية العربية، لكنه لم يجعل الوفاء قبرا للخيال. كان يعرف أن الهوية القوية لا تخاف من الإنصات، وأن الفنان الذي لا يتعلم يتجمد، ثم يتحول إلى ظل لتاريخه. لذلك كان يقترب من الأغنية العالمية بعين الخبير وقلب التلميذ، يسألها عن أسباب نجاحها، ويفتش في لحنها وإيقاعها وأدائها عن تلك الشرارة التي تجعل عملا فنيا يسافر من لغة إلى لغة، ومن قارة إلى قارة، ثم يستقر في الوجدان.

هنا تتجلى عظمة الدكالي في تواضعه. بعد أكثر من نصف قرن من الحضور، لا يتكلم كمن وصل، بل كمن يبدأ. يستحضر حكمة بيتهوفن المؤثرة: حين يبدأ الفنان في معرفة الموسيقى يكون أوشك على الرحيل. وفي هذه العبارة يكمن سر الفن كله: البحر واسع، والعمر قصير؛ والمعرفة كلما إقتربنا منها إبتعد أفقها. لذلك بقي الدكالي تلميذا أمام الجمال، يلتقط الرنة الجميلة كما يلتقط العابر وردة نادرة، ويؤمن أن كل يوم يمكن أن يكون بداية جديدة.

ومن هذا الوعي خرج بالأغنية من ضيق العشق المألوف إلى سعة الحب الأكبر. فالحب عنده ليس وجدا فرديا فحسب، بل حب الله، وحب الوطن، وحب الإنسان، وخاصة الإنسان الضعيف الذي طحنته الحروب والمجاعات وإنتهاك الكرامة. لذلك لم تكن أغنيته “سوق البشرية” مجرد عمل ناجح، بل صرخة فنية في وجه عالم يحول الإنسان أحيانا إلى بضاعة. وقد جاءت بلحن ذي نفس كوني، حتى تصل الرسالة إلى الأذن العربية والغربية معا، لأن الوجع الإنساني لا جنسية له.

أما أغانيه الوطنية، فهي ليست أناشيد مناسبات، بل قطع من ذاكرة المغرب السمعية. فيها تعب الليالي، وصدق الإنتماء، وحرارة القضية. لذلك يؤلمه أن تغيب عن الإعلام، لأنها ليست ملكا لأرشيفه وحده، بل جزء من وجدان أمة سمعت نفسها فيها ذات زمن.

وحين يتأمل حال الأغنية العربية اليوم، يتكلم بوجع العارف. فالأغنية عنده بناء من كلمة هادفة، ولحن صادق، وأداء رفيع. هكذا صنع الكبار مجد الموسيقى العربية، يوم كان الفن يسبق الحساب، والصدق يسبق السوق. أما حين تصبح الصورة بديلا عن الصوت، والشهرة أسرع من الموهبة، فإن الأغنية تفقد روحها ولو ربحت ضجيجها.

هكذا يبدو عبد الوهاب الدكالي: مغربيا في الجذر، عربيا في الإمتداد، إنسانيا في الرسالة. لم يمنح الأغنية المغربية والعربية ألحانا فحسب، بل منحها معنى وكرامة وعمقا. جعل من الموسيقى جسرا، ومن الصوت موقفا، ومن الفن وطنا رحبا يلتقي فيه الإنسان بالإنسان.