أنور الشرقاوي: البروفيسور زياد مميش.. الطبيب السعودي الذي حوّل الحج إلى مختبر عالمي للصحة العمومية

أنور الشرقاوي: البروفيسور زياد مميش.. الطبيب السعودي الذي حوّل الحج إلى مختبر عالمي للصحة العمومية الدكتور أنور الشرقاوي والبروفيسور زياد مميش

يُعَدّ البروفيسور زياد مميش Ziad Memish أحد أبرز العلماء الذين أسهموا في تأسيس تخصص علمي حديث أصبح اليوم معترفًا به عالميًا تحت اسم طب التجمعات البشرية الكبرى (Mass Gatherings Medicine ).

وقد نجح هذا الطبيب السعودي في تحويل موسم الحج، بما يحمله من رمزية دينية عظيمة، إلى نموذج علمي دولي لدراسة المخاطر الصحية ووضع استراتيجيات الوقاية والتأهب والاستجابة السريعة للأوبئة.

في كل عام، يتوافد ملايين المسلمين إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، الركن الخامس من أركان الإسلام.

غير أن هذا الحدث الإيماني  الفريد لا يقتصر على أبعاده الروحية، بل يُعد أيضًا إحدى أكبر العمليات الصحية والتنظيمية في العالم، حيث يتطلب استقبال ومراقبة وحماية ورعاية ملايين الحجاج القادمين من مختلف القارات خلال فترة زمنية وجيزة وفي مساحة جغرافية محدودة.

ويقف وراء هذا التحول المفاهيمي عالم سعودي اقترن اسمه اليوم بالأمن الصحي الدولي. 
إنه البروفيسور زياد مميش، الطبيب المختص في الأمراض المعدية، وأستاذ الطب، ونائب وزير الصحة السابق في المملكة العربية السعودية، والذي أحدث ثورة حقيقية في الطريقة التي تنظر بها الأنظمة الصحية إلى التجمعات البشرية الكبرى.

بفضل رؤيته العلمية الاستباقية، لم يعد الحج مجرد مناسبة دينية جامعة، بل أصبح مرصدًا حيًا للأمراض المعدية وميدانًا فريدًا لاختبار وتقييم أنظمة الترصد الوبائي، وبرامج التلقيح، وتقنيات التشخيص المبكر، ونماذج تقييم المخاطر، وآليات التنسيق الدولي في مواجهة التهديدات الصحية العابرة للحدود.

وقد ساهم البروفيسور زياد مميش في بناء وتطوير تخصص طب التجمعات البشرية الكبرى، وهو فرع علمي يدرس المخاطر الصحية المرتبطة بالتجمع المؤقت لأعداد هائلة من البشر القادمين من بيئات وبائية وثقافية ولغوية متعددة.

واليوم، أصبح هذا التخصص مرجعًا أساسيًا في التخطيط الصحي للأحداث الدولية الكبرى.

ويرى البروفيسور مميش أن الحج يمثل في كل سنة «اختبارًا حقيقيًا للأمن الصحي العالمي». ففي غضون أيام معدودة، يتعين على المملكة العربية السعودية أن تؤمّن الرعاية الصحية والمراقبة الوبائية والحماية الوقائية لملايين الحجاج، مع ضمان منع ظهور الأمراض المعدية أو انتقالها إلى مختلف دول العالم بعد انتهاء المناسك.

وقد أثبتت هذه الرؤية الاستراتيجية نجاعتها خلال عدد من الأزمات الصحية الكبرى.
فعند ظهور متلازمة الشرق الأوسط التنفسية سنة 2012، ثم خلال جائحة كوفيد-19، بيّنت أبحاثه أن تنظيم الحج يمكن أن يتم وفق بروتوكولات علمية صارمة تعتمد على التلقيح، والترصد الوبائي، والفحوصات الموجهة، والنمذجة الرياضية للمخاطر، والتعاون الدولي متعدد الأطراف.

وقد نُشرت أعماله في أرقى المجلات الطبية العالمية مثل The Lancet، وNature، وThe New England Journal of Medicine، مما أسهم في جعل النموذج السعودي في إدارة الحج مرجعًا دوليًا يُحتذى به.

كما اعتمدت منظمة الصحة العالمية ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها على هذه التجربة الرائدة لصياغة توصيات صحية قابلة للتطبيق في أحداث عالمية أخرى تستقطب أعدادًا ضخمة من المشاركين.

وتكمن عبقرية زياد مميش في أنه أثبت أن الصحة العمومية الحديثة لا تقتصر على علاج المرضى، بل تقوم أساسًا على استباق المخاطر، وفهم ديناميات انتشار الأمراض، ووضع استجابات منسقة على المستوى الدولي.

وتحت إشرافه، طورت المملكة العربية السعودية بنية تحتية صحية متقدمة تشمل المستشفيات، والمختبرات المرجعية، وفرق التدخل السريع، وأنظمة المراقبة الرقمية، وغرف القيادة والتحكم الصحي المتكاملة.

وهكذا أصبح الحج عرضًا سنويًا مهيبًا للدبلوماسية الصحية، والكفاءة اللوجستية، والانضباط العلمي.

ولم يعد تأثير البروفيسور زياد مميش مقتصرًا على حدود المملكة، بل أصبحت خبرته مطلوبة في تنظيم ومراقبة المخاطر الصحية المرتبطة بـ الألعاب الأولمبية، وكأس العالم لكرة القدم، والمهرجانات الدولية، وسائر التظاهرات الكبرى التي قد تسهم في الانتشار السريع للعوامل الممرضة.

وفي عالم يشهد تصاعد التهديدات الوبائية، وظهور الأمراض الحيوانية المنشأ، وتسارع حركة السفر الدولي، يجسد مسار زياد مميش الدور المحوري للعلماء القادرين على الربط بين الطب والتنظيم والحوكمة.

وبفضله، لم يعد الحج مجرد شعيرة دينية ذات أبعاد روحية سامية، بل أصبح نموذجًا عالميًا لليقظة الصحية، وبرهانًا حيًا على قدرة العلم على حماية البشرية عندما تجتمع الشعوب في سلام وإيمان.