فاطمة الزهراء محفوظ والشاعر عبد العزيز كوكاس
من لم يقرأ "ليتنا لم نكبر" فقد جزءا من حظه من المتعة الجمالية، من لم ينصت للواعج الأسى وصوت الناي وهسيس الغائبين في هذا النص الباذخ، لن يفهم التبدلات الكبرى لزمننا بلا ضجيج تنظير، لأن الشاعر عبد العزيز كوكاس يلتقط الجوهري بلغة شعرية رقراقة تسري في خلجان النص مثل سمفونية تلتقط تراجيديا مآسي التحول ونحن نكبر..
من خلال تحليل بنية المفاهيم المركزية التي يطرحها النص حول الطفولة، الكِبَر، الزمن، الذاكرة وسقوط العالم. نجد أن النص لا ينتمي إلى خانة الحنين الساذج لوهم "الزمن الجميل"، بل يشتغل على فكرة أعمق هي الكِبَر بوصفه خسارة أنطولوجية، بمعنى انهيار نموذج الوجود الذي يربط الإنسان بالعالم والطبيعة واللغة. ومن خلال هذا التوصيف، يتحول خطاب كوكاس إلى تشخيص لحالة إنسانية ذات بعد كوني تتجاوز التجربة الفردية إلى تجربة العالم كله.
الطفولة كحالة وجودية
يستدعي النص الطفولة من باب الحنين ويضعها في مواجهة مع الزمن والحياة والمجتمع. فالطفولة هنا أكبر من مرحلة زمنية، إنها حالة وجود بينما الكِبَر هو انهيار تدريجي لبنية الوجود.. هذه المفارقة المركزية: الطفولة كوجود والكِبَر كسقوط تحكم كامل النص الذي يضع الطفولة في علاقة مختلفة عن النمو البيولوجي أو الاجتماعي. فالمقطع الافتتاحي للشاعر جميل بن معمر: "صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا / إلى اليوم لم نكبر".. لا يحيل على مشهد طفولي بريء بقدر ما يشتغل بوصفه استعارة للوجود، حيث تمثل الطفولة حالة اتحاد مع الطبيعة ومع الأشياء، لا مسافة بين الذات والعالم.
وبهذا المعنى يمكن القول إن الطفولة في نص كوكاس تؤدي وظيفة أنطولوجية شبيهة بما يسميه غاستون باشلار "الطفولة المتخيلة"، أي تلك النقطة الزمنية التي تُستدعى باعتبارها شكلًا للوجود لا مرحلة من العمر. يُعزّز الشاعر هذا التأويل عبر سلسلة من المشاهد التي تصوّر الطفولة كحضور طبيعي كامل: الأشجار، الماء، المطر، السنونو، الحقول… وهي صور تحضر باعتبارها عناصر بنية الكينونة الأولى.
الكِبَر بوصفه خسارة أنطولوجية
في مقابل الطفولة كنمو واتحاد، يظهر الكِبَر كفصل وانهيار. لا يقدّم النص الكِبَر بوصفه نضجًا، إنه هنا دليل تراجع في الطاقة الوجودية، يصف الكاتب عبد العزيز كوكاس الكبر بوصفه لحظة انفصال عن “الحياة الأولى”، حين كانت الملائكة تسجّل بحياد وهدوء، وكانت الطبيعة مكفولة بوظائفها الجمالية والمعنوية. يقول: "لم تعد الحياة تهدهدنا على سرير ناعم، ولا الآباء قادرين على العفو عن زلاتنا الصغيرة".
هذه الجملة تمس جوهر الفكرة المركزية في نص "ليتنا لم نكبر"، كانت الطفولة نعمة غير مشروطة، بينما الكبر يفرض عدالة صارمة لا يخففها عفو ولا يغفرها أب. هنا تتردد أصداء “شوبنهاور” الذي يرى في الحياة نزولًا من البراءة إلى الألم، و“روسو” الذي اعتبر الطفولة لحظة طبيعية صافية تُفسدها الحضارة. يلتقط النص هذه الفكرة عبر مشاهد حسية: الأشجار التي سئمت، والوديان التي جفّت، والملائكة التي ضجّت، والأغاني التي لم تعد تنشّط الدم... إنها علامات على أن العالم يكبر أيضًا، وأن شيخوختنا ليست فردية بل كونية.
يتحدث الكاتب عن سقوط الوعود الكبرى، فيقول: "صارت البراعم تذوي في الحديقة قبل أن يبتسم السنونو"، السنونو رمز تقليدي للربيع والحياة، وذواؤه هنا يعلن نهاية القدرة على التجدّد. إننا أمام انهيار “السرديات الكبرى” كما سمّاها "ليوتار": سردية الخلاص، سردية التقدم، سردية الربيع، سردية الحلم… ليحل محلها زمن بلا مركز، لا يَعِد بشيء ولا يبرر شيئًا.
ويمكن رصد هذا التحول عبر ثلاثة مستويات:
مستوى العلاقة بالعالم الطبيعي:
يتحدث الشاعر عن أشجار "سئمت وقوفها"، وديان "جفت" وبراعم "تذوي قبل أن يبتسم السنونو"... هذه العلامات دلالة على اختفاء قدرة الإنسان على التجدّد.
مستوى العلاقة باللغة:
يقول الشاعر عبد العزيز كوكاس: "الكلمات فقدت طرافتها وأخذت تنمو في أفواهنا مع تعب السنين وتشيخ". حيث تتحول اللغة من أداة خلق إلى أداة تثبيت للزمن، وبالتالي تصبح علامة الشيخوخة.
مستوى العلاقة بالذات:
لا يعود الإنسان قادرًا على تمثل ذاته إلا من خلال الخسارة، فيقول: "سقطنا في ركام الغبار وحطام بقايا الذاكرة". فالسقوط تجربة وعي تتكشف فجأة. حيث الكِبَر ليس تقدّمًا في الزمن بقدر ما هو تفسّخً في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم.
الزمن كقوة تفكيك
يُقدّم النص معالجة لافتة للزمن. فالزمن في نص كوكاس ليس سياقًا محايدًا إنه فاعل رئيسي يؤدي دور القوة المفكّكة، لا يسجل الزمن الأحداث بل ينزع عنها معناها. يقول: "الأغاني القديمة لا تنشط دورتنا الدموية لاجتياز درج في سلم الوجود.. يسّاقط العمر على إيقاع رقص الساعة الحائطية مثل الدمعة المنهكة".
هذا التصور يفتح الباب نحو فهم الزمن بوصفه جوهر الكِبَر في النص، فنحن نكبر لأن الزمن يمرّ ويجرّد العالم من معناه، إن الزمن في نص "ليتنا لم نكبر" أداة قاسية تشتغل على الأشياء، فهو يهرّب المعنى، ويبدّد الدهشة، ويُبلي اللغة. يقول الكاتب: "الكلمات فقدت طرافتها وأخذت تنمو في أفواهنا مع تعب السنين، يا ليتنا لم نكبر". إنه توصيف لعالم ما بعد الحداثة الذي يصبح فيه الإنسان بلا يقين، بلا سردية، بلا براءة. لا يقول الكاتب “كنا صغارًا”، بل يقول “كنا أكثر حقيقة”. وهذا ما يجعل فكرة “يا ليتنا لم نكبر” شهادة على الخسارة.
من اليُتم الأنطولوجي إلى حكمة الخيبة
في مقابل الزمن بوصفه قوة تفكيك، تُطرح الذاكرة في النص بوصفها قوة تجميع، فالعودة إلى الطفولة بحث لا عن الحنين بل عن وحدة الوجود الأولى. حيث يبدو المقطع الطويل الذي يستعيد فيه الكاتب مشاهد الطفولة (الماء، الحقول، النساء، أصوات الأزل…) محاولة لاستعادة شكل الوجود قبل الهزيمة. تصبح الذاكرة ممارسة مقاومة ضد العدم. لكن النص لا يقف عند الذاكرة كخلاص. فهو يدرك محدوديتها. فالحنين نفسه يفقد طاقته: "لماذا لم يعد يجرفنا الحنين إلى بهاء الغامض فينا؟"
هذا السؤال يعلن انتصار العدم على الذاكرة أيضًا. في لحظة كهذه، تتخذ الذاكرة وظيفة المرآة: تعكس الخسارة دون أن تَعِد بالاستعادة.
لا يطلب الشاعر في نهاية النص العودة إلى الطفولة جسديًا، بل يأسف لفقدان ذلك النمط من الوجود الذي يجعل الحياة ممكنة. لذلك فالعبارة الختامية ليست حنينًا بل حكمًا على العالم. إنها ليست جملة ندم، بل جملة تشخيص: لقد كبر العالم… ولم يعد صالحًا للأطفال الذين كنّاهم.
يمكن القول إن نص "ما أيسر ما نطلبه من العالم.. ليتنا لم نكبر" يقدّم رؤية فلسفية حول الإنسان والعالم، وبذلك يتجاوز حدود الحنين إلى مستوى تشخيص الوجود، مستبقًا سؤالًا فلسفيًا مقلقًا: ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا إذا كان الزمن قادرًا على تجريد العالم من معناه؟