ملصق اللقاء
شكلت" سردية انتقال من المحاماة إلى الصحافة" على ضوء تجربة الكاتب الصحافي جمال المحافظ موضوع الندوة التي نظمتها هيئة المحامين بالرباط، ونشطها الفاعل الحقوقي عبد الرزاق الحنوشي برواقها بالمعرض الدولي للنشر والكتاب المنظم ما بين 30 أبريل و10 ماي 2026، بحضور عدد من المحامين والصحفيين وفعاليات أكاديمية وجمعوية.
وفي بداية اللقاء الذي حضره نقيب هيئة المحامين الأستاذ عزيز الرويبح، قدم عبد الرزاق الحنوشي لمحة عن مسار جمال المحافظ مشيرا الى أن هذا الأخير قضى، فترة تدريب ما بين 1985 و1988 بمكتب الأستاذ النقيب محمد السملالي، بعدما اجتياز فترة الخدمة المدنية بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون ما بين 1980 و1982.
وأضاف أن تجربة المحافظ في المحاماة وبالعمل المدني ضمن الجمعية المغربية لتربية الشبيبة AMEJالتي يعد أحد قياديها السابقين، أفادته كثيرا في عمله الصحافي منذ التحاقه سنة 1988 للعمل بهيئة تحرير وكالة المغرب العربي للأنباء التي تدرج بها في عدد من المسؤوليات المهنية كسكرتير تحرير ورئيس تحرير وطني ومركزي، قبل أن يعين مديرا للإعلام بهذه المؤسسة الإعلامية الوطنية التي تأسست سنة 1959، فضلا عن نشاطه التربوي و الاجتماعي وفي العمل النقابي الصحافي.
وبعدما أوضح بأن هذه الندوة ستتمحور حول ما وصفه ب"فصل المقال ما بين المحاماة والصحافة من اتصال أو انفصال"، طرح الحنوشي صاحب مؤلف " البرلمان وحقوق الإنسان عدة تساؤلات منها ما هي القواسم المشتركة بين القطاعين، والأهداف التي يتقاسمانها منها خدمة الحقيقة، والانتصار للقيم الإنسانية النبيلة، مبادئ العدل والمساواة، والمساهمة في التثقيف وتوعية وتحسيس المواطنات والمواطنين بحقوقهم وواجباتهم، ومدى تأثير السياقات السياسية والحقوقية والاجتماعية التي يشغل في اطارها كلا من الصحفي والمحامي، ومدى انعكاساتها على داء المهني لمنتسبي القطاعين.
قواسم مشتركة
وفي معرض جوابه أشاد جمال المحافظ في البداية باهتداء هيئة المحامين طرح هذا الموضوع للنقاش ومن خلاله تسليط الضوء ليس فقط على مسار العلاقات التي جمعت وتجمع ما بين مهنة المحاماة ومهنة الصحافة، بل مقاربة الوضعية الراهنة للقطاعين الذين شكلا تاريخيا عنصرا أساسيا في صناعة الرأي العام.
وبعدما أكد بأن مهنة المحاماة لم تغادره ولم يغادرها، نتيجة محافظته على العلاقات التي نسجها مع أصدقائه المحامين المنتمين لأجيال مختلفة، منذ أواسط الثمانيات من القرن الماضي، سواء إبان عضويته بالمكتب الوطني للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، ما بين 2004 و2009 ، أو كذلك خلال اشتغاله في وكالة الأنباء الذي ساهم بها في احداث تخصص إعلامي في مجال أخبار المحاكم والمجتمع، كما أشرف على تكوين وتأهيل صحافيات وصحافيين الذين أصبحوا حاليا مرجعا في الاعلام القضائي أبرز الارتباط الوثيق ما بين الوظيفة الحقوقية لكل من الصحافة والمحاماة،.
وأضاف بأن المحاماة والصحافة، بحكم تقاطع مهامهما ونبل رسالتهما ووظيفتها الحقوقية، حظيا تاريخيا ، بتقدير واحترام متبادل مستحضرا ما سبق أن قاله دو جيسو رئيس مجلس الأعلى للقضاء بفرنسا، على عهد لويس الخامس عشر بأن " المحاماة، تجعل المرء نبيلاً بغير ولادة .. غنيًا بلا مال .. رفيعًا من غير حاجة إلى لقب.. سعيدًا بغير ثروة"، كما مضيفا بأنه إذا كما فولتير الفيلسوف والكاتب الفرنسي الشهير، فإن الكلومبي غارسيا ماركيز، الصحفي الذي عشقته الرواية، الفائز بجائزة نوبل للآداب سنة 1982وصف الصحافة من جهته بأنها " أحلى مهنة في العالم".
توأمان سياميان
ومن جهة أخرى لاحظ المحافظ بأن عددا من كبار المحامين، مارسوا الصحافة منذ بداية الاستقلال من قبيل عبد الرحيم بوعبيد وامحمد بوستة وعبد الرحمان اليوسفي وعمر بنجلون وعبد الرحمان بنعمرو ومحمد اليازغي وأحمد بنجلون وآخرون، وهو ما منح مزيدا من الارتباط ما بين المحاماة والصحافة، علاوة على عن تقاسهما مبادئ الدفاع عن حرية التعبير والرأي وحقوق الانسان، والبحث عن الحقيقة، وان اختلف أسلوب كل واحدة منهما في تحقيق ذلك، لكنها ظلت قيما مشتركة لم تؤثر عليها لا السياقات ولا الظروف، وهذا ما يجعل المحامي والصحافي بمثابة "توأمين سيامين ملتصقين".
وذكر المتدخل بأن تجربة الهيئة المستقلة لأخلاقيات الصحافة وحرية التعبير سنة 2002 التي كان يرأسها الأستاذ مشيشي العلمي الإدريسي وزير العدل الأسبق، شكلت فرصة أخرى لتوطيد مزيد من العلاقات مع رموز من أسرة المحاماة، من موقع مشترك وإن كان يهم أول الصحافة وأخلاقيات المهنة، لكن بربط هذه الأخيرة بحرية التعبير والاستقلالية.
الاستقلالية والتجرد
فضلا عن صحافيين من النقابة الوطنية للصحافة المغربية، كانت هذه الهيئة، تضم ممثلين عن الهيئات والمنظمات الحقوقية، اللذين كانوا كلهم من قطاع المحاماة، وهم الأساتذة النقيب عبد الرحمن بنعمرو، عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والمحامي الراحل عبد الله الولادي رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، وعبد الرحيم بن بركة نقيب هيئة المحامين بالرباط ممثلا لجمعية هيئات المحامين بالمغرب.
لم تكن هذه الهيئة – يضيف المحافظ - تضم فقط هذه الهيئات الحقوقية، بل كان من بين أعضائها الأساتذة عبد الصمد لمرابط المحامي بهيئة الرباط عن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، وأحمد أبادرين المحامي بهيئة مراكش، رئيس لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان، والراحل الطيب الأزرق الذي كان رئيسا لجمعية مساندة هذه الهيئة والذي لعب قيد حياته دورا محوريا ، ليس فقط في دعم الصحافة والصحافيين، ورعاية هذه الهيئة المستقلة، بل ساهم بفعالية فيالمزيد من توطيد العلاقات القائمة بين القطاعين. كما أشار إلى الدور الذي كان يضطلع به الأستاذ خالد السفياني من موقعه كمحامي لنقابة الصحافة، وكذلك النقباء عبد الهادي لقباب، ومحمد الصديقي وعبد الرحيم الجامعي والمحاميين محمد كرم والراحل خالد الناصري، الى جانب عدد آخر من المحامين المنتمين لأجيال مختلفة نذروا أنفسهم للدفاع عن الصحافة والصحافيين في المحاكمات التي طالتهم.
مستقبل مشترك
ولاحظ جمال المحافظ، بأن نفس الدور لازال متواصلا من طرف أجيال المحامين المتعاقبة، الذين يشكلون بالنسبة لقبيلة الصحفيين، مرجعا لا محيد عنه، في تقدم الاستشارات والدعم، متوقفا عند بعض المعارك القانونية المشتركة من بينهما تعاونهما في ملفات الترافع من أجل تطهير قانون الصحافة من العقوبات السالبة للحرية، ومناهضة اللجوء الى القانون الجنائي في قضايا الصحافة والرأي وتوسيع هوامش حرية التعبير. وفي ظل الطروف الراهنة، أصبحت الحاجة ماسة لمواجهة كافة التحديات الموضوعية والذاتية، وربح رهانات قطاعين يصنع الفاعلون فيه الرأي العام.
من بين المقترحات التي قدمها في ختام هذا اللقاء الذي القيت خلاله عدة مداخلات من محامين وصحفيين، التفكير في إحداث ألية مرنة مشتركة للتعاون ما بين الصحافيين والمحامين، والقيام بأبحاث ودراسات مشتركة في المواضيع ذات الاهتمام المشترك، مع اعداد بورتريهات لرموز المحاماة، ودليل يتضمن أبرز محاكمات الصحافة والصحافيين والانفتاح بشكل أكبر على وسائل الاعلام ووسائط الإتصال الحديثة.