مشهد للمغرب المنسي
أفرزت التحولات الاقتصادية والمناخية والرهانات المرتبطة بالجهوية المتقدمة والنموذج التنموي الجديد وعيا متزايدا بضرورة إعادة النظر في طريقة تدبير المجال الجبلي؛ وذلك بالانتقال من منطق التدخلات الظرفية إلى رؤية استراتيجية قائمة على التمييز الإيجابي والعدالة الترابية والسيادة التنموية.
يمتد الحوض الجبلي المغربي من الحسيمة شمالا إلى ورزازات وتنغير جنوبا، مرورا بشفشاون وصفرو وإفران والحاجب وميدلت وأزيلال والحوز وتارودانت، مشكلا واحدا من أغنى الأحواض الجغرافية بالبلاد من حيث الموارد الطبيعية والكثافة السكانية والرمزية الوجودية. ويعيش في هذا الحوض ما يقارب 10 ملايين نسمة، أي ما يعادل ثلث سكان المغرب، داخل مجال ظل لسنوات طويلة خارج دوائر العدالة المجالية الحقيقية.
لقد ترسخ في التدبير العمومي تصور ضيق ينظر إلى الجبل بوصفه فضاء مرتفع الكلفة وضعيف الجدوى الاقتصادية، مما أظهر الحاجة إلى تصور جديد يقوم على العدالة المجالية والتضامن الترابي والتمييز الإيجابي. فالجبل أصل استراتيجي للدولة المغربية، وأي مشروع تنموي جاد يقتضي الانتقال إلى إطار قانوني ومؤسساتي متكامل، يجعل من التنمية الجبلية أولوية وطنية. ومن هنا تبرز أهمية النقاش حول «قانون الجبل» والصندوق التضامني الجبلي وعقود «دولة- جهة- جبل»، باعتبارها أدوات لإعادة توزيع الثروة والاستثمار وفق منطق الإنصاف لا منطق الكثافة السكانية والربحية السريعة.
إن القضية اليوم تتطلب إعادة بناء العلاقة بين الدولة والجبل، ضمن مشروع وطني يعيد الاعتبار لهذا المجال باعتباره رئة المغرب الطبيعية وخزان استقراره المائي والاجتماعي. فقد تحول الجبل في كثير من الدول إلى فضاء للرفاه والاقتصاد الأخضر والسياحة الشتوية والابتكار البيئي، بينما ما تزال الثلوج في المغرب مرتبطة بصور المآسي والعزلة والخطاب الجنائزي، مما يكشف أن الأزمة الحقيقية ليست أزمة طبيعة أو مناخ، بل أزمة تصور سياسي وتنموي.
إن المغرب الذي يطمح إلى تنزيل نموذج تنموي جديد، ويبحث عن ترسيخ الجهوية المتقدمة والعدالة الاجتماعية، يحمل اليوم مسؤولية تاريخية لإخراج ثلث البلاد من فكرة «الوطن اللامتوازن» أو «المغرب الذي يسير بسرعتين». ومن هنا يبرز مطلب «قانون الجبل» باعتباره تحولا منطقيا في التفكير العمومي، وانتقالا من المقاربة القطاعية الظرفية إلى رؤية مؤسساتية تعيد الاعتبار للمجال باعتباره فاعلا في التنمية، وليس مجرد فضاء للتدبير الإداري.
لقد كشفت التجربة المغربية أن السياسات العمومية التقليدية، القائمة على التدخلات المجزأة والمعالجات الظرفية، لم تستطع تجاوز الاختلالات البنيوية التي تعانيها المناطق الجبلية. فغالبا ما كانت هذه التدخلات تأتي بعد وقوع الكوارث الطبيعية «الزلازل والانجرافات الصخرية» أو في سياق الاستجابة لأزمات موسمية «تهاطل الثلوج والصقيع»، دون بناء استراتيجية طويلة النفس قادرة على معالجة الجذور العميقة للهشاشة المجالية. لذلك يطرح مفهوم «العدالة المجالية» باعتباره الإطار الفكري والسياسي القادر على إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجال، عبر الإقرار بأن الجغرافيا لا ينبغي أن تتحول إلى قدر اجتماعي يحرم المواطنين من الحقوق نفسها التي يتمتع بها سكان المراكز الحضرية.
إن جوهر العدالة المجالية يكمن في الانتقال من منطق المساواة الشكلية إلى منطق الإنصاف الفعلي. فالمواطن في الجبل يعيش ضمن شروط طبيعية ومناخية أكثر تعقيدا، ما يجعل كلفة الولوج إلى الخدمات الأساسية مرتفعة، سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية أو التعليم أو الصحة أو الماء أو النقل. ومن ثم فإن التعامل مع الجبل بالمعايير نفسها المعتمدة في المجالات السهلية يشكل نوعا من الحيف التشريعي والتنظيمي، لأن المساواة هنا تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوت بدل تقليصه. ولهذا يصبح التمييز الإيجابي ضرورة قانونية وأخلاقية، وليس امتيازا استثنائيا.
ومن هذا المنطلق يكتسب «قانون الجبل» مشروعيته الدستورية والسياسية. فالفصل 142 من الدستور، الذي ينص على التضامن الترابي، يفتح المجال أمام بناء سياسات عمومية قائمة على إعادة التوازن المجالي. كما أن التحديات المناخية التي يعيشها المغرب اليوم، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف، تجعل من الجبل قضية سيادية مرتبطة بحماية المنابع المائية والموارد البيئية. وهو ما سبقتنا إليه عدة تجارب دولية. ففرنسا مثلا اعتمدت منذ ثمانينيات القرن الماضي قانونا خاصا بالمناطق الجبلية، بينما رسخت إسبانيا مبدأ التضامن المجالي ضمن مقتضياتها الدستورية. بينم ظهر «قانون الجبل» في إيطاليا كآلية لتحقيق العدالة المجالية وحماية السكان الجبليين من التهميش، عبر اعتماد نوع من «التمييز الإيجابي» في الاستثمار والتمويل والخدمات. أما في المغرب، الذي راكم تجربة مهمة في مجال اللامركزية والجهوية المتقدمة، فإنه بات مطالبا اليوم بإدماج البعد الجبلي داخل هذه الدينامية المؤسساتية، حتى لا تتحول الجهوية إلى مجرد إعادة إنتاج للتمركز داخل الجهات نفسها، حيث تستحوذ المدن الكبرى على أغلب الاستثمارات بينما تبقى القرى والمرتفعات خارج دوائر التنمية.
من هنا تبرز أهمية الربط بين قانون الجبل والجهوية المتقدمة. فنجاح الورش الجهوي يظل رهينا بقدرته على استيعاب الفوارق الداخلية داخل كل جهة. لذلك فإن اقتراح إبرام عقود برامج بين الدولة والجهات والمجالات الجبلية يشكل تحولا مهما من منطق الإعانات إلى منطق التعاقد التنموي القائم على الالتزامات المتبادلة. كما أن تخصيص حصص استثمارية إجبارية للمناطق الجبلية داخل برامج التنمية الجهوية يمكن أن يشكل آلية عملية لتجاوز التركيز المفرط للمشاريع في المراكز الحضرية. أما فكرة «مجالس الكتل الجبلية»، فتفتح أفقا جديدا للتفكير في التنمية وفق الوحدات الجغرافية والطبيعية بدل الحدود الإدارية الجامدة، وهو تصور ينسجم مع الطبيعة المركبة للمجالات الجبلية العابرة للجهات.
وإذا كانت التشريعات القائمة ما تزال تركز على «تعويض الأضرار المادية المباشرة»، فإن إقرار نظام للتعويض المناخي المباشر لفائدة المناطق الجبلية يبدو ضروريا لضمان الاستقرار الاجتماعي والحد من موجات النزوح والهجرة القسرية التي تفكك البنية البشرية لهذه المجالات. وهنا تظهر أهمية المقترحات المرتبطة بإحداث صندوق للتضامن الجبلي يقوم على إعادة توطين جزء من القيمة المضافة الناتجة عن استغلال الموارد الطبيعية داخل المجالات المنتجة لها. فالمناطق الجبلية التي توفر المياه والمعادن والغابات لا يمكن أن تستمر في أداء هذه الوظائف الاستراتيجية دون أن تستفيد بشكل عادل من عائداتها. كما أن فكرة التعويض عن الخدمات البيئية تمثل تحولا نوعيا في تصور العلاقة بين الدولة والسكان، لأنها تجعل من حماية البيئة نشاطا اقتصاديا منتجا يضمن الاستقرار الاجتماعي ويحول الحماية البيئية إلى مصدر للدخل والتنمية.
وتأسيسا على كل ذلك، فإن مطلب «قانون الجبل» يعكس تحولا في الوعي الجماعي المغربي تجاه معنى المواطنة والإنصاف الترابي، ما دام يهدف إلى تنظيم التنمية داخل الجبال وفق خصوصياتها الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية، بدل إخضاعها للقواعد العامة نفسها المطبقة على المدن والسهول. ويقوم هذا القانون على فكرة أساسية مفادها أن الجبل مجال استراتيجي يحتاج إلى سياسات عمومية مميزة تراعي وعورة التضاريس، والهشاشة المناخية، وتشتت السكان، وضعف البنيات التحتية والخدمات.
ويهدف قانون الجبل، في التصور المتداول بالمغرب، إلى تحقيق عدة أهداف مترابطة، أهمها: فك العزلة عن المناطق الجبلية عبر طرق وبنيات تحتية ملائمة لطبيعتها الجغرافية؛ وضمان الولوج العادل إلى التعليم والصحة والنقل والإنترنت والخدمات العمومية، وحماية الموارد الطبيعية والمائية والغابوية من الاستنزاف، إضافة إلى تثمين الاقتصاد الجبلي عبر دعم الفلاحة الجبلية، والسياحة البيئية، والمنتجات المجالية، والنباتات الطبية والعطرية، إلى جانب إقرار آليات للتمييز الإيجابي في التمويل العمومي والاستثمار، ثم إشراك السكان المحليين في اتخاذ القرار التنموي، وتعزيز المرونة المناخية والتعويض عن الأضرار المرتبطة بالكوارث الطبيعية، فضلا عن إحداث «صندوق تضامني جبلي» أو آليات تمويل خاصة، تسمح بإعادة توجيه جزء من عائدات استغلال الموارد الطبيعية نحو تنمية المناطق المنتجة لها.
ويكتسب «الصندوق التضامني الجبلي» أهمية خاصة باعتباره آلية لإعادة توزيع الثروة داخل المجال الوطني. ذلك أن المفارقة الكبرى تكمن في أن المناطق الجبلية توفر المياه والطاقة والتنوع البيولوجي والخدمات البيئية التي تستفيد منها باقي الجهات، دون أن تنال مقابلا عادلا لذلك، مما يعني أن العدالة المجالية لا تبنى في المقاربة الجبلية الراهنة على منطق الإنصاف المرتبط بالحاجة وكلفة الولوج إلى الخدمات. وهذا يقتضي إبرام تعاقد ملزم «قائم على التمييز المجالي الإيجابي» يضمن تخصيص موارد مالية تتناسب مع الوزن السكاني والمجالي للمناطق الجبلية، مع اعتماد مؤشرات للهشاشة تأخذ بعين الاعتبار البعد المناخي وصعوبة الولوج إلى الخدمات وارتفاع معدلات الهجرة. فهو تمييز تصحيحي يعالج تراكمات الإقصاء التاريخي، وتمييز تمكيني يهدف إلى بناء قدرات ذاتية داخل المجال الجبلي عبر التعليم والتكوين والتحفيزات، وتمييز إبداعي يسعى إلى خلق ميزة تنافسية قائمة على تثمين المنتجات المحلية والهوية البيئية والثقافية للمجال.
يحمل النهوض بالمجال الجبلي، إذن، معنى أعمق يرتبط بإعادة بناء العلاقة مع جزء أساسي من الجغرافيا الوطنية التي ظلت لعقود طويلة تؤدي وظائف استراتيجية دون أن تنال نصيبها العادل من التنمية والاستثمار، وهو ما يقتضي القيام بالعديد من الإجراءات نجملها في ما يلي:
أولا: إقرار إطار قانوني خاص بالمناطق الجبلية عبر اعتماد «قانون الجبل» باعتباره مرجعية وطنية للعدالة المجالية، بما يسمح بإدماج الخصوصيات الطبيعية والمناخية والديمغرافية للجبل داخل السياسات العمومية، ويضمن التمييز الإيجابي في التخطيط والاستثمار والتمويل العمومي، مع تحويل المجال الجبلي من هامش إداري إلى فضاء استراتيجي داخل النموذج التنموي المغربي.
ثانيا: إعادة بناء البنيات التحتية الجبلية وفق معايير هندسية متلائمة مع التضاريس والمناخ، عبر إنشاء طرق وقناطر ومسالك مقاومة للثلوج والانجرافات والسيول، وربط الدواوير والمراكز الجبلية بشبكات نقل منتظمة وآمنة، بما يضع حدا للعزلة الموسمية التي تحاصر آلاف السكان كلما تهاطلت الأمطار والثلوج والعواصف الرعدية.
ثالثا: تعميم الربط الرقمي والإنترنت عالي الصبيب داخل القرى والمناطق الجبلية، ذلك أن الرقمنة أداة مركزية لفك العزلة وإدماج السكان في الاقتصاد المعرفي والخدمات الحديثة، مع تطوير التعليم عن بعد والخدمات الإدارية الإلكترونية والعمل الرقمي لفائدة الشباب وسكان الدواوير النائية.
رابعا: تطوير خدمات صحية وتعليمية ملائمة لخصوصية الجبل، عبر إحداث وحدات صحية متنقلة، واعتماد الطب عن بعد، وبناء مدارس داخلية ومراكز متعددة الوظائف، مع توفير الموارد البشرية والتجهيزات الضرورية لضمان القرب وجودة الخدمات الأساسية داخل المناطق الجبلية.
خامسا: تثمين الاقتصاد الجبلي وتحويله إلى رافعة للتنمية المحلية عبر دعم الفلاحة الجبلية والمنتجات المجالية والنباتات الطبية والعطرية، وتطوير السياحة الإيكولوجية والشتوية، وتشجيع التعاونيات والمقاولات القروية، وربط الإنتاج المحلي بسلاسل التسويق والتصدير والصناعات التحويلية.
سادسا: إحداث صندوق تضامني جبلي قائم على إعادة توزيع جزء من الثروة التي تنتجها المناطق الجبلية، عبر تخصيص موارد مرتبطة بالمياه والمعادن والسياحة والخدمات البيئية لتنمية القرى والمراكز الجبلية، بما يحقق عدالة ترابية فعلية ويضمن استدامة التمويل التنموي.
سابعا: تعزيز المرونة المناخية وحماية الموارد الطبيعية من خلال بناء سدود تلية، وتأهيل السواقي التقليدية، وإعادة تشجير الغابات، وحماية التربة من الانجراف، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر لمواجهة الكوارث الطبيعية، بما يرسخ الأمن البيئي والمائي للمغرب.
ثامنا: إرساء حكامة ترابية تشاركية تمنح السكان والجماعات الجبلية دورا فعليا في اتخاذ القرار التنموي، عبر إحداث مؤسسات جهوية ومجالس متخصصة في التنمية الجبلية، تتولى إعداد البرامج وتتبع تنفيذها وتقييم أثرها على الساكنة والمجال.
تاسعا: دعم الرأسمال البشري الجبلي عبر تحفيز الأطباء والمدرسين والمهندسين والمقاولين الشباب على الاستقرار والعمل داخل المناطق الجبلية، مع توفير امتيازات مهنية وسكنية وضريبية، وإحداث مراكز جامعية وتكوينية مرتبطة بالاقتصاد الجبلي والطاقات المتجددة والبيئة والسياحة الطبيعية.
عاشرا: تحويل الثقافة والهوية الجبلية إلى رافعة تنموية عبر تثمين التراث المعماري والفني واللغوي والبيئي للمناطق الجبلية، وربط الثقافة بالسياحة والصناعات الإبداعية، بما يعزز الشعور بالانتماء ويجعل الجبل فضاء للحياة والكرامة والإنتاج بدل أن يبقى عنوانا للهشاشة والعزلة.
لا يتعلق الرهان الحقيقي في هذا المشروع، بعد كل ما قلناه، بالتوقف عند إصدار قانون جديد. فالمطلوب اليوم هو الانتقال من منطق التدبير الإداري للمجال إلى منطق الاعتراف السياسي والاقتصادي والثقافي بقيمة المجال الجبلي. ذلك أن الجبل يحمل في تضاريسه ووديانه وذاكرته الجماعية جزءا أساسيا من معنى الوطن، ويؤدي وظائف سيادية تتصل بالماء والغذاء والتوازن البيئي والاستقرار الاجتماعي. لذلك فإن إنصافه يحمل معنى أعمق من مجرد تحسين المؤشرات التنموية، لأنه يرتبط بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجال.
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية " الوطن الآن"
رابط العدد هنا