سعيد التمسماني
في عالم يُعاد فيه رسم ميزان القوى على أساس التحكم في التكنولوجيا والطاقة النظيفة، لا يبدو المغرب مجرد متابع لتحولات الانتقال الطاقي، بل فاعلًا يسعى إلى اقتناص موقع متقدم داخل الخريطة العالمية الجديدة. ومن هذا المنظور، يكتسب إطلاق “مركز التميز المشترك في الهيدروجين الأخضر” بالدار البيضاء دلالة تتجاوز البعد الأكاديمي أو التقني، ليعكس توجها استراتيجيا يروم تحويل المملكة إلى منصة إقليمية لإنتاج المعرفة الصناعية وربط البحث العلمي بالاقتصاد الأخضر العالمي.
وقد حملت مراسم الإطلاق، التي ترأسها نزار بركة، وزير التجهيز و الماء رسائل سياسية وتنموية تتجاوز الطابع المؤسساتي للمناسبة، إذ عكست حجم الرهان الذي تضعه الدولة المغربية على اقتصاد الهيدروجين الأخضر باعتباره أحد مفاتيح السيادة الطاقية والتحول الصناعي خلال العقود المقبلة. فحضور مسؤولين حكوميين وفاعلين صناعيين وخبراء دوليين وشركاء أكاديميين لم يكن مجرد حضور بروتوكولي، بل مؤشرًا على تشكل منظومة جديدة تجمع القرار العمومي بالبحث العلمي والاستثمار التكنولوجي.
المبادرة التي احتضنتها المدرسة الحسنية للأشغال العمومية ليست مجرد افتتاح لمختبر جديد أو فضاء جامعي متخصص، بل تعبير واضح عن انتقال المغرب إلى مرحلة أكثر تقدما في تدبير ملف السيادة الطاقية. فالدول لم تعد تتنافس فقط حول الموارد التقليدية، بل حول القدرة على إنتاج الطاقة النظيفة، وتطوير سلاسل القيمة الصناعية المرتبطة بها، والتحكم في الابتكار التكنولوجي الذي سيقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
ما يمنح هذا المشروع بعده الاستراتيجي هو طبيعة الشراكات التي أُقيم عليها. فالتعاون الذي يجمع المؤسسة الأكاديمية المغربية بشركات دولية متخصصة في تكنولوجيا الهيدروجين الأخضر يعكس وعيا متزايدا بأن معارك المستقبل لن تُحسم داخل حدود وطنية مغلقة، بل عبر شبكات تعاون عابرة للقارات تجمع البحث العلمي بالصناعة ورأس المال والتكنولوجيا. وفي هذا السياق، يرسخ المغرب موقعه كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا وآسيا في مجال الطاقات النظيفة.
تقنيا، لا يتعلق الأمر بمنشأة رمزية أو مشروع ذي طابع بروتوكولي، بل ببنية تحتية متقدمة تتيح إنتاج الهيدروجين عبر التحليل الكهربائي المعتمد على الطاقة الشمسية، مع أنظمة للتخزين والتوليد المشترك. وهذه المعطيات ليست تفاصيل تقنية معزولة، بل مؤشرات على رغبة المغرب في الانتقال من مرحلة استهلاك التكنولوجيا إلى مرحلة إنتاج المعرفة التطبيقية وتكوين كفاءات قادرة على مواكبة التحولات الصناعية الكبرى.
الأهم من ذلك أن المشروع يكشف عن تحول عميق في فلسفة التنمية الوطنية. فالمغرب لم يعد ينظر إلى الجامعات والمدارس العليا باعتبارها مؤسسات للتكوين النظري فقط، بل كفضاءات لإنتاج الحلول الصناعية والتكنولوجية وربط التعليم بسوق الابتكار والاستثمار. ومن هنا تأتي أهمية الرهان على التكوين عالي التأهيل، باعتباره حجر الأساس لأي انتقال ناجح نحو اقتصاد منخفض الكربون.
ويبدو واضحا أن المملكة تتحرك وفق رؤية استراتيجية متكاملة يقودها الملك محمد السادس، تقوم على جعل الانتقال الطاقي رافعة للسيادة الاقتصادية والدبلوماسية في آن واحد. وفي هذا الإطار، يبرز دور نزار بركة في تنزيل العرض المغربي للهيدروجين الأخضر، من خلال الدفع نحو شراكات دولية نوعية، وتعزيز البنية التحتية الطاقية، وربط السياسات العمومية بالتحولات العالمية في مجال التكنولوجيا النظيفة.
فالهيدروجين الأخضر لم يعد مجرد ملف بيئي، بل أصبح أداة لإعادة تشكيل النفوذ الدولي، خصوصا في ظل التحولات الجيوسياسية المرتبطة بأمن الطاقة وتراجع الاعتماد على الوقود الأحفوري.
كما أن توقيع سلسلة من مذكرات التفاهم مع فاعلين أوروبيين ودوليين في مجالات التنقل النظيف، والتخزين الطاقي، والبنيات التحتية الكهربائية، يعكس توجها مغربيا نحو بناء منظومة متكاملة لا تقتصر على الإنتاج فقط، بل تشمل البحث والتطوير والتصنيع والخدمات المرتبطة بالطاقة الجديدة.
في النهاية، لا تُقاس قيمة مثل هذه المشاريع بعدد الاتفاقيات الموقعة أو حداثة المعدات المركبة، بل بقدرتها على خلق أثر اقتصادي وصناعي حقيقي. والتحدي الأكبر أمام المغرب اليوم لا يكمن فقط في امتلاك التكنولوجيا، بل في تحويلها إلى قوة إنتاجية قادرة على خلق الثروة واستقطاب الاستثمار وتثبيت موقع المملكة داخل الاقتصاد الأخضر العالمي.
بهذا المعنى، فإن الرهان المغربي على الهيدروجين الأخضر ليس رهانا تقنيا فحسب، بل مشروع تموقع استراتيجي طويل المدى؛ مشروع يسعى إلى جعل المغرب ليس فقط منتجا للطاقة النظيفة، بل أيضا مركزا إقليميا لصناعة المستقبل.