لحسن الحسناوي
يشهد النقاش العمومي والمهني الوطني، خلال المرحلة الراهنة، جدلا محتدما حول مطلب رفع حالة التنافي بين مزاولة مهنة المحاماة والوظيفة الأكاديمية، خاصة بالنسبة لأساتذة القانون بكليات الحقوق. ويعد هذا النقاش مؤشرا صحيا يعكس حيوية التدافع المجتمعي ووعي الفاعلين بأهمية مواكبة العملية التشريعية وتتبع آثارها وانعكاساتها على مختلف مناحي الحياة العامة. ولا يقتصر هذا الجدل على كونه خلافا مهنيا محدودا حول تنظيم الخدمات القانونية، بل يعكس في عمقه سؤالا بنيويا يتعلق بطبيعة المعرفة القانونية ووظيفة الجامعة ومكانة الأستاذ الباحث داخل النسق القانوني الوطني، في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها الدولة والمجتمع والعلاقات القانونية الدولية.
وقد أعاد هذا الجدل إلى الواجهة إشكالية العلاقة بين التكوين والتلقين النظري للقانون من جهة والممارسة المهنية من جهة أخرى، وحدود الفصل بين الوظيفة الأكاديمية وممارسة مهنة المحاماة، فضلا عن مدى انسجام التشريع المغربي الحالي مع الاتجاهات المقارنة ومتطلبات الانفتاح القانوني الدولي الذي أصبح المغرب أحد الفاعلين المنخرطين فيه. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى مقاربة هذه الإشكالية من خلال ثلاث محاور أساسية وفق الشكل الآتي:
1) الوظيفة الأكاديمية ومزاولة مهنة المحاماة: السياق التاريخي للجمع والتنافي
إن أول ما يثير الانتباه في هذا النقاش هو أن التشريع المغربي لم يكن في مراحله السابقة، يأخذ بمنطق التنافي الصارم بين الوظيفة الأكاديمية لأساتذة القانون وممارسة مهنة المحاماة؛ حيث نص القانون 79. 19 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 3499 بتاريخ 21 نونبر 1979 في المادة 71: "تتنافى مهنة المحاماة مع جميع الوظائف الإدارية والقضائية وكذا مع كل مهمة يكلف بها من طرف القضاء ولا سيما خبير؛ غير أنها لا تتنافى مع مهام أساتذة الحقوق بإحدى الكليات، ومع العضوية في الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى وفي المحكمة العليا".
لذلك، عرفت الجامعة المغربية لعقود طويلة، حضور أسماء أكاديمية وازنة جمعت بين البحث العلمي القانوني والممارسة المهنية، بل إن بعض هذه الكفاءات لايزال إلى حدود اليوم يجمع بين مزاولة مهنة المحاماة والوظيفة الأكاديمية بكليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية. وقد كان لهذه الشريحة من الفقه القانوني المغربي إسهام كبير في تتبع وتقييم مدى تناغم القانون مع الأهداف المنشودة منه ومع العدالة، من خلال اقتراح حلول جديدة على المشرع، وتقديم تأويلات وقراءات متجددة للقاضي قصد تجويد أحكامه المستقبلية، علاوة على تكوين أجيال متعاقبة من رجال القانون، من خلال ما راكمته من إنتاج علمي داخل الجامعة، وما اكتسبته من خبرة عملية عبر ممارستها لمهنة المحاماة. لذلك لم يكن يُنظر إلى الجمع بين المهنتين باعتباره اختلالا مؤسساتيا، بل باعتباره أحد مظاهر التكامل الطبيعي بين المعرفة القانونية النظرية وتطبيقاتها العملية، القائم على التفاعل بين الجامعة والمحكمة، بين المدرج الجامعي وقاعة الجلسات.
من ثم، فإن استحداث حالة التنافي بين المهنتين، سواء بموجب الظهير الشريف رقم 162. 93. 1 الصادر في 10 سبتمبر 1993 المعتبر بمثابة قانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة المنشور بالجريدة الرسمية عدد 4222 (29 سبتمبر 1993)، أو بموجب القانون رقم 08. 28 القاضي بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5680 بتاريخ 6 نونبر 2008، وهو التوجه نفسه الذي يكرسه مشروع القانون الحالي رقم 23.66 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، يمثل تحولا تشريعيًا وفلسفيًا عميقًا في تصور وظيفة أستاذ القانون؛ إذ جرى الانتقال من نموذج الخبير القانوني المتعدد المعارف إلى نموذج أكثر وظيفية يقوم على الفصل الحاد بين الأدوار.
لذا، فإن هذا التحول يثير تساؤلات جوهرية حول مدى ملاءمته لطبيعة العلوم القانونية نفسها. فالقانون ليس علمًا تجريديًا منفصلًا عن الواقع العملي، وإنما هو معرفة تطبيقية تتغذى باستمرار من الممارسة القضائية عبر مختلف المحاكم، وتتفاعل مع الاجتهادات القضائية الصادرة عنها، فضلا عن ارتباطها الوثيق بمحيطها المؤسساتي والمهني. ومن ثم فإن عزل أستاذ القانون عن المجال العملي للمحاماة قد يؤدي على المدى البعيد، إلى إنتاج معرفة قانونية أقرب إلى التجريد النظري منها إلى الفهم الدينامي للواقع القانوني الحي، وهو الواقع الذي أصبحت تعيشه الجامعة المغربية اليوم.
2) تنافي الجمع بين الوظيفة الأكاديمية ومزاولة مهنة المحاماة على ضوء التجارب المقارنة
إن استمرار المشرع المغربي في تبني حالة تنافي الجمع بين الوظيفة الأكاديمية في المجال القانوني ومزاولة مهنة المحاماة، يثير من منظور القانون المقارن، جملة من الإشكالات القانونية والمؤسساتية التي تزيد من تعقيد النقاش الدائر حول هذه المسألة حاليا. ذلك أن أغلب الأنظمة القانونية المقارنة، خاصة تلك التي تأثر بها النظام القانوني المغربي تاريخيا، لا تأخذ بمنطق التنافي المطلق بين الوظيفة الأكاديمية وممارسة مهنة المحاماة. ففي فرنسا، كما في عدد من الدول ذات التقليد اللاتيني، يسمح النظام القانوني بصيغ مختلفة للتوفيق بين الوظيفة الأكاديمية والممارسة المهنية، سواء عبر المحاماة أو الاستشارة القانونية أو التحكيم. بل إن حضور الأساتذة الجامعيين القانونيين داخل المجال المهني يُنظر إليه باعتباره قيمة مضافة تعزز جودة التكوين القانوني وتثري النقاش القضائي والتشريعي.
وعليه، فإن إقرار التنافي بالمغرب في هذا الإطار يجعل من التجربة المغربية حالة أقرب إلى الاستثناء المقارن منها إلى القاعدة العامة داخل الأنظمة القانونية المتقاربة. ويزداد هذا المعطى أهمية بالنظر إلى أن المغرب ظل تاريخيا يستلهم جزءًا مهمًا من بنيته القانونية والمؤسساتية من المدرسة القانونية الفرنسية، سواء على مستوى التشريع أو القضاء أو التنظيم المهني، بل حتى على مستوى الفقه القانوني.
ومن هنا تبرز مفارقة تشريعية لافتة؛ فبينما تتجه أغلب الأنظمة القانونية الحديثة نحو تعزيز التكامل بين الخبرة الأكاديمية في المجال القانوني والممارسة المهنية، وفق ما أكدت عليه التوصية الصادرة عن المؤتمر العام لليونيسكو في دورته التاسعة والعشرين (باريس، 11 نونبر 1997)، بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي، والتي جاء في فقرتها الثلاثين (30) أنه «ينبغي أن يتمتع أعضاء هيئات التدريس في التعليم العالي، بالحق في الاضطلاع بأنشطة مهنية خارج إطار وظيفتهم، لا سيما الأنشطة التي تعزز مهاراتهم المهنية أو تمكنهم من تطبيق المعارف على مشكلات المجتمع المحلي، شريطة عدم تعارض هذه الأنشطة مع التزاماتهم الأصلية إزاء المؤسسات التي يعملون معها بصورة رئيسية، وذلك وفقا للسياسات والأنظمة المؤسسية أو للقوانين والممارسات الوطنية إذا وجدت»، يسير التشريع المغربي نحو تكريس الفصل بينهما. ويبدو هذا التوجه منسجمًا ظاهريًا مع منطق التخصص والتفرغ، لكنه يطرح في العمق إشكالًا يتعلق بإضعاف البعد التطبيقي للمعرفة القانونية داخل الجامعة المغربية.
3) إشكاليات استمرار تبني المشرع المغربي للتنافي بين الوظيفة الأكاديمية ومزاولة مهنة المحاماة في سياق التعاون الدولي
من المعلوم أن السياق الدولي الراهن، بما أفرزه من تحولات متسارعة اتجهت نحو ترسيخ التصورات النيوليبرالية القائمة على المستوى الاقتصادي، على الانفتاح وتحرير المبادلات التجارية وتعزيز حركية رؤوس الأموال والخدمات، قد دفع المغرب إلى تبني توجهات ترمي إلى تطوير منظومته القانونية والمؤسساتية بما ينسجم مع متطلبات الاندماج في الاقتصاد العالمي وتعزيز جاذبية الاستثمار الأجنبي. وقد انعكس ذلك في انخراطه في التوقيع على مجموعة من اتفاقيات التعاون القضائي، وفي انفتاحه على الخدمات القانونية العابرة للحدود.
فالمغرب حاليا لم يعد فضاء قانونيا منغلقا، بل أصبح مندمجا في دينامية دولية متشعبة تشمل مجالات التحكيم والاستثمار والتعاون المهني والقضائي، وهو ما أتاح حضور فاعلين قانونيين أجانب داخل الحقل القانوني المغربي بصيغ وآليات متعددة. ويأتي مشروع القانون الحالي رقم 23.66 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، ليكرس هذا التوجه ويؤطره تشريعيا، حيث تنص المادة 12 في فقرتها الثانية، على أنه: «يعفى من الحصول على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة ومن التمرين:
1-.......
2- المحامون الحاملون لجنسية إحدى الدول الأجنبية التي أبرمت مع المملكة المغربية اتفاقية تسمح لمواطني كل من الدولتين المتعاقدتين بممارسة مهنة المحاماة في الدول الأخرى، مع مراعاة مبدأ المعاملة بالمثل. ويجب على المحامين المنتمين لهذه الدول اجتياز اختبار لتقييم معرفتهم بالقانون المغربي قبل البث في طلباتهم، تحدد كيفية تنظيمه وإجرائه بمقتضى نص تنظيمي؛....»
إن هذا التوجه نحو السماح للمحامين الأجانب بممارسة مهنة المحاماة بالمغرب، وإن كان مقيدا بشرط إبرام اتفاقيات ثنائية والالتزام بمبدأ المعاملة بالمثل، يطرح مفارقة دقيقة ذات أبعاد مهنية ودستورية، تثير تساؤلات حول حدود هذا الانفتاح في ظل استمرار تبني حالة تنافي الجمع بين الوظيفة الأكاديمية في المجال القانوني ومزاولة مهنة المحاماة في السياق المغربي. ذلك أن عددًا من الأنظمة القانونية المقارنة، وفي مقدمتها فرنسا، وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وإسبانيا، والأردن، ومصر، وقطر والسودان، والجزائر ...إلخ، تسمح أصلًا بالجمع بين الوظيفة الاكاديمية وممارسة مهنة المحاماة أو الاستشارة القانونية. وبناء عليه، يمكن عمليا أن يكون الشخص أستاذا جامعيا في بلده، ومحاميا مزاولا للمهنة في الوقت نفسه وفق تشريعه الوطني، ثم يستفيد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من آليات التعاون القانوني الدولي أو من دينامية المهن القانونية العابرة للحدود للحضور المهني داخل المغرب، سواء عبر مزاولة مهنة المحاماة أو الاستشارة أو التحكيم أو مواكبة الاستثمارات أو الشركات الدولية متعددة الجنسيات التي أصبح المغرب يراهن على استقطابها لإنعاش اقتصاده الوطني.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح، إذ يطرح التساؤل حول ما إذا كان المغرب سيتجه في هذا السياق إلى تبني مقاربة انتقائية في إبرامه لاتفاقيات ثنائية بما يسمح للمحامين الأجانب بممارسة مهنة المحاماة بالمغرب، بمعني أنه سيقتصر في هذا الإطار فقط على إبرام اتفاقيات ثنائية مع الدول التي تتبنى بدورها مبدأ التنافي بين الوظيفة الأكاديمية ومزاولة مهنة المحاماة وهي دول تبقى محدودة من حيث العدد والتأثير. وفي حالة اعتماد هذا التوجه، فإن ذلك سيثير تساؤلات جوهرية بشأن الجدوى العملية من التنصيص على هذه الإمكانية ضمن مشروع القانون الجديد، ما دام نطاق تفعيلها سيظل ضيقا ومحكوما بقيود تشريعية ومهنية قد تفرغ هذا المقتضى من جزء كبير من أهدافه المرتبطة بالانفتاح وتدويل الخدمات القانونية.
أما إذا اتجه المغرب إلى إبرام اتفاقيات حتى مع الدول التي لا تأخذ بمبدأ التنافي بين الوظيفية الأكاديمية ومزاولة مهنة المحاماة، فإن ذلك سيتيح لأساتذة القانون الأجانب الذين يجمعون في بلدانهم الأصلية بين الصفة الأكاديمية والممارسة المهنية إمكانية ممارسة مهنة المحاماة في المغرب، في حين يظل أساتذة القانون المغاربة مقيدون بحالة التنافي التي تمنعهم من الجمع بين الوظيفة الأكاديمية في المجال القانوني ومزاولة مهنة المحاماة. الأمر الذي سيفرز وضعا تمييزيا لصالح أساتذة القانون الأجانب، مما سيشكل تعارضا صارخا مع التشريعات الدولية والمبادئ الدستورية الوطنية التي تؤكد على المساواة وتكافؤ الفرص.
ومن ثم، فإن استمرار الأخذ بحالة التنافي فيما يخص الجمع بين الوظيفة الأكاديمية في المجال القانوني ومزاولة مهنة المحاماة بصيغته الحالية قد يُنتج مفارقة تشريعية عميقة. إذ بدل أن يؤدي الانفتاح على الخدمات القانونية الدولية في المغرب إلى تعزيز مكانة الكفاءات الوطنية، قد يتحول ولو بصورة غير مباشرة إلى عامل لإضعافها وتقييد حضورها داخل المجال القانوني الوطني، وهو ما يفرض إعادة التفكير في فلسفة التنافي نفسها في ضوء التحولات الدولية المعاصرة.
لذلك، فإن مختلف الهيئات والمؤسسات المعنية بالقانون المنظم لمهنة المحاماة بالمغرب، مدعوة اليوم إلى تعبئة ذكائها الجماعي وإعمال مقاربة تشاركية معمقة تقوم على نقاش هادئ، قصد بلورة صيغة مغربية متوازنة لتجاوز هذه الإشكالية. صيغة من شأنها إعادة النظر في حالة التنافي بين الوظيفة الأكاديمية في المجال القانوني ومزاولة مهنة المحاماة، تستوعب التحولات التي أفرزتها عولمة الخدمات القانونية، وتأخذ بعين الاعتبار في الآن ذاته خصوصية مهنة المحاماة بوصفها مهنة حرة ذات أبعاد علمية ومهنية مركبة، تستدعي قدرا من المرونة التشريعية دون الإخلال بضوابط الاستقلالية والنجاعة المهنية.
لحسن الحسناوي، أستاذ القانون العام، جامعة القاضي عياض، مراكش