عبد الرحيم أريري
حين أرادت الدولة خلق الوكالات الحضرية بعد انتفاضة يونيو 1981 بالبيضاء، ادعت أن الغرض هو تجويد مسلسل التعمير بالمغرب وخلق أحياء وفضاءات حضرية للعيش الكريم وفق ما هو متعارف عليه في أدبيات التخطيط الحضري في الدول التي تحترم تعهداتها وتحترم مواطنيها، أي بالتحكم في التعمير وإنجاز مخططات وتصاميم تساهم في تجويد العيش الحضري وتخلق رفاهية un confort urbain بكل حي وبكل قطب فتح في وجه التعمير.
للاسف، كانت الحصيلة “أفلس” و”أكفس” مقارنة مع ما خلقه أجدادنا في المدن العتيقة بالمغرب التي كانت تخضع في تخطيطها لمنطق عقلاني في العهود التي بنيت فيه تلك المدن (فاس، مكناس، شفشاون، أصيلة، وزان، الصويرة، مراكش، تطوان، سلا، الرباط، أسفي، تارودانت، وجدة، أزمور، إلخ...)، فكل الأحياء والأقطاب الحضرية والمدن الجديدة التي ولدت من رحم الوكالات الحضرية خلال 42 سنة، كانت مشوهة وخالية من البصمة الجمالية وشروط رغد العيش.
الرابط الوحيد الذي تحكم في علاقة هذه الوكالات الحضرية بتصاميم الأحياء والأقطاب الحضرية والمدن الجديدة هو تكديس المواطنين بأكبر عدد ممكن في مساحة عقارية جد ضيقة بما يخدم لوبي العقار ويدر عليهم الملايير من الدراهم، بدون مرافق ولا فضاءات ولا رصيف ولا ساحات عمومية ولا أشجار ولا حدائق ولا أسواق بلدية، ولا باركينات للمتاجر والإدارات والمحلات التجارية بالأحياء( على الأقل ضمان Le Recul بما يسمح للمتبضعين بالتوقف دون عرقلة السير)!
بعد 42 سنة من الممارسة (أول وكالة حضرية بالمغرب خلقت بالدارالبيضاء عام 1984)، يحق لنا أن نسائل المشرع والسلطات الحكومية والبرلمانية والترابية والمنتخبة، عن الحصيلة:
ماهي القيمة المضافة التي قدمتها الوكالات الحضرية للمشهد الحضري بالمدن المغربية؟ هل ساهمت في تحسين جودة عيش السكان أم كانت نذير شؤم؟
هل كانت الوكالات الحضرية فعلا هيأة استشارية تقنية مسؤولة ومواطنة موضوعة رهن إشارة المتدخلين العموميين في مجال التخطيط الحضري؟ أم كانت مجرد «بورصة عقارية» تضع « بيض العقار»في سلة واحدة لخدمة لوبيات العقار على حساب المصلحة العامة؟
هل كان عمال ومدراء ومهندسو الوكالات الحضرية وتقنيوها ومكاتب دراساتها، في خدمة رؤية تعميرية تروم توزيعا عقلانيا للأنشطة ولوظائف كل شارع وكل حي وعلاقة بعضها ببعض، أم كانوا في خدمة خطة تقود المدينة المغربية إلى الكانيباليزم والفوضى والاختلال؟
لماذا نجد في مدن أوربا وأمريكا الشمالية، أحياء وشوارع وساحات تخضع لتنطيق عقلاني وتوظيف جمالي للأرض وللرصيف وللسكن، لدرجة أن المواطن المغربي يشتهي السكن في الإقامات الاقتصادية بأوربا الموجودة بالضواحي الشعبية، على أن يسكن في عمارات الأحياء الراقية بمدن المغرب، بفضل جمالية التخطيط الحضري بالغرب، واحترام الارتفاقات وكيفية تخصيص المرافق الضرورية لكل حي هناك (خطوط النقل المريح، ساحات عمومية، تشجير، منتزهات وحدائق، متاجر، مقاهي محلات، مطاعم، إلخ...) مع احترام Le recul في الترخيص للمحلات التجارية بأوربا، دون عرقلة السير أو خلق متاعب لمستعملي الطريق أو للمتبضعين.
المغرب، وهو يتهيأ لجيل جديد من الجهات والجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة ومن تجديد في هياكل الوكالات الحضرية بعد إعادة تذويبها وفق التقطيع الجهوي، عليه القطع مع سياسة توظيف الوكالات الحضرية لخدمة اللوبيات والعمل على تحويل هاته الوكالات إلى ضمير المجتمع لتحقيق تعمير منصف ومندمج ومدمج لكل السكان لتستفيد كل الفئات الاجتماعية من ثمار نمو المدينة، بدل أن يبقى النافذون يمصون لوحدهم من ضرع بقرة التعمير !!
ولصناع القرار واسع النظر!