خديجة الكور: النساء في قلب المعركة من أجل مغرب أكثر عدلاً

خديجة الكور: النساء في قلب المعركة من أجل مغرب أكثر عدلاً خديجة الكور

على بُعد أشهر قليلة من الاستحقاقات التشريعية، يبدو المغرب وكأنه يقف عند مفترق طرق حقيقي. فالمواطن المغربي لم يعد يطالب فقط بتحسين ظروف العيش، بل أصبح يبحث عن وضوح سياسي، وعدالة اقتصادية، وأفق اجتماعي يعيد إليه الثقة في المستقبل.


اليوم، يواجه المغاربة واقعاً اجتماعياً واقتصادياً ضاغطاً: غلاء متواصل في الأسعار، تراجع القدرة الشرائية، بطالة متنامية، وفوارق مجالية واجتماعية تزداد اتساعاً. غير أن اختزال هذه الأزمة في الحكومات أو الأحزاب وحدها يبقى تبسيطاً مخلّاً بحقيقة أكثر تعقيداً. فالمشكل أعمق من مجرد تدبير حكومي ظرفي، لأنه يرتبط ببنيات اقتصادية راكمت عبر سنوات طويلة منطق الاحتكار والريع وتضخم شبكات الوساطة.


لقد تحولت بعض حلقات الوساطة داخل قطاعات حيوية، من الغذاء إلى النقل والعقار والطاقة، إلى مصدر إضافي لاستنزاف القدرة الشرائية للمواطن. فكل حلقة تضيف هامش ربح جديداً، بينما يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف التي تتحمل الكلفة النهائية. وهنا تكمن خطورة المرحلة: المواطن يشعر بالضغط اليومي، لكنه لا يرى دائماً البنيات الحقيقية التي تنتج هذا الاختلال.


وفي المقابل، يبدو النقاش السياسي في جزء منه منفصلاً عن هذه الأولويات. فبدل أن تنشغل الأحزاب بطرح تصورات واضحة حول الاقتصاد، والتشغيل، والتعليم، والصحة، والسيادة الغذائية، والعدالة الاجتماعية، يتحول جزء كبير من النقاش إلى سباق حول التزكيات والترشيحات والتحالفات الانتخابية. وكأن السياسة فقدت تدريجياً وظيفتها الأساسية: إنتاج الحلول وصناعة الأمل.


إن المغرب اليوم لا يعيش فقط أزمة معيشية، بل يعيش أيضاً أزمة ثقة. فالمواطن يريد أن يسمع خطاباً سياسياً قريباً من واقعه، قادراً على تفسير ما يجري، والأهم: قادراً على تقديم بدائل حقيقية. يريد أحزاباً تتنافس بالمشاريع لا بالأسماء، وبالرؤى لا بالحسابات الضيقة.


وفي هذا السياق، يظل النموذج التنموي الجديد فرصة تاريخية لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، لأنه يطرح بوضوح أسئلة الحكامة، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والتنمية المجالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بقدرة الفاعل السياسي على تحويله من وثيقة مرجعية إلى سياسات ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.


وفي قلب هذا التحول، تبرز النساء كقوة اقتراح وتغيير حقيقية. فالمرأة المغربية لم تعد فقط تطالب بمكان داخل المؤسسات، بل أصبحت تمتلك تجربة اجتماعية واقتصادية تجعلها أكثر التصاقاً بقضايا المجتمع اليومية: التعليم، والصحة، والأسرة، والقدرة الشرائية، والتماسك الاجتماعي. ومن هنا، فإن حضور النساء في القرار السياسي ليس قضية تمثيلية فقط، بل ضرورة وطنية لتجديد النخب وتقوية فعالية السياسات العمومية.


إن مشاركة النساء يجب ألا تبقى رهينة الحضور الرمزي أو الموسمي، بل ينبغي أن تتحول إلى رافعة حقيقية للإصلاح، لأن المجتمعات التي تُقصي نصف طاقاتها تجد نفسها عاجزة عن بناء تنمية متوازنة ومستدامة.
واليوم، قبل انتخابات 2026، يبدو السؤال الحقيقي أكبر من مجرد “من سيربح الانتخابات؟”. السؤال الأهم هو: أي مشروع يُقترح للمغاربة؟
كيف سنواجه الغلاء؟
كيف سنحد من الريع والاحتكار؟
كيف سنعيد الثقة في السياسة؟
وكيف سنبني اقتصاداً أكثر عدلاً وإنصافاً؟
إن المغرب في حاجة إلى مرحلة سياسية جديدة تُعيد الاعتبار للنقاش الجاد، وتربط الاقتصاد بالعدالة الاجتماعية، وتُعيد للمواطن الشعور بأن السياسة يمكن أن تكون أداة للتغيير لا مجرد موسم انتخابي عابر.


فمغرب الغد لن يُبنى فقط بالأرقام والمؤشرات، بل ببناء الثقة، وتوسيع الأمل، وإشراك النساء والشباب والكفاءات الحقيقية في صناعة القرار. لأن الدول التي تنجح ليست فقط تلك التي تملك الموارد، بل تلك التي تملك الشجاعة لإصلاح اختلالاتها، والقدرة على تحويل مواطنيها إلى شركاء حقيقيين في المستقبل.

 

خديجة الكور، رئيسة منظمة النساء الحركيات