الراحل عبد الوهاب الدكالي وسميرة سعيد
قبل سنوات، بوزان موطن الروح والقلب وداخل فضاءات "جمعية دار وزان " التي حظيت سنة 2006 بشرف زيارة ملكية، كانت هناك قاعة صغيرة للموسيقى لا تلفت الانتباه كثيرا بحجمها أو تجهيزاتها، لكنها كانت تستقطب، كل مساء، عددا من شباب المدينة. بعضهم كان يأتي ليتعلم إيقاعا بسيطا، وبعضهم فقط ليجرب لمس آلة موسيقية لأول مرة، وآخرون ليجلسوا هناك وكأن المكان يمنحهم شيئا يفتقدونه خارج تلك الجدران. يومها بدأ يتكون عندنا إحساس بأن الفن ليس دائما ترفا، بل قد يكون أحيانا حاجة صامتة وعميقة عند الناس.
كنا نرى شبابا يأتون من أحياء مختلفة فقط لكي يلمسوا آلة موسيقية، أو يجربوا إيقاعا جديدا، أو يجلسوا قليلا بعيدا عن ضجيج الشارع. هناك فهمنا أن الموسيقى ليست دائما طريقا نحو الشهرة، بل أحيانا مجرد وسيلة لكي يبقى الإنسان متوازنا من الداخل.
ومع الوقت، راودتنا الفكرة: لماذا لا يكون لمدينة مثل وزان معهد موسيقي حقيقي؟ لماذا يبقى الفن دائما نشاطا جانبيا وهشا، رغم هذا الشغف الذي كنا نراه في عيون الشباب؟
بدأت الرحلة الطويلة. اجتماعات، اتصالات، وعود، ملفات، زيارات، وشيء كثير من “هياط ومياط” وشفاعة من قريش. في النهاية، قامت الجماعة المحلية بتوفير مقر، وتم تجهيز الفضاء، ووقعت اتفاقية مع وزارة الثقافة . يومها شعرنا أن الحلم اقترب فعلا، وأن المدينة ستتنفس أخيرا شيئا من الجمال المنظم.
لكن الحلم الجميل غالبا ما يتعثر في التفاصيل الصغيرة. عين أستاذ للمكان، فظل يشتغل واحدا ومثنى وثلاث ورباع، إلى أن (بات ما أصبح)، لنكتشف في النهاية أن الأستاذ كان متعاقدا ولم يتوصل بأجره. بعدها عاد الصمت إلى القاعة.
تذكرت كل ذلك وأنا أتابع جنازة عبد الوهاب الدكالي.
فالرجل الذي غنى للحب والوطن والإنسان، والذي شكل بصوته جزءا من الذاكرة المغربية، رحل وسط حزن كبير… لكن وسط حضور بدا باهتا مقارنة بحجمه الفني والرمزي. هنا لا يتعلق الأمر بلوم هذا الطرف أو ذاك، ولا بعدد الرسميين الذين حضروا أو غابوا، بل بسؤال أعمق: ما طبيعة علاقتنا نحن بالفن؟
كيف يمكن لفنان بحجم الدكالي أن يسكن ذاكرة أجيال كاملة، ثم يمر وداعه بكل هذا الهدوء؟
وحين نقارن ذلك بصور جنازة أم كلثوم وهي تخرج من مسجد عمر مكرم بميدان التحرير، والملايين تسير خلف الجثمان، ندرك أن المسألة ليست فقط جنازة، بل علاقة مجتمع كامل بالفن وبالفنان. هناك، كان الناس يودعون جزءا من صورتهم عن أنفسهم، لا مجرد مطربة عظيمة.
أما عندنا، فالأمر يبدو ملتبسا. نحفظ الأغاني، نرددها في الأعراس والسيارات والمقاهي، ونبكي أحيانا مع لحن قديم لكننا، في العمق، لم نحسم بعد مكانة الفن داخل حياتنا الجماعية.
ولهذا تبقى المدرسة مرتبكة مع التربية الفنية، ويظل المسرح هامشيا في حياة المدن، وتتحول الموسيقى أحيانا إلى مجرد ترف مؤقت لا إلى جزء من بناء الإنسان.
مع أن الحضارات الكبرى فهمت ذلك منذ زمن بعيد. أفلاطون كان يعتبر الموسيقى جزءا من تربية المواطن، فيما رأى أرسطو أن الفن يطهر النفس من القسوة والعنف. أما فيودور دوستويفسكي فاختصر كل شيء حين قال: “الجمال سينقذ العالم”.
وربما لهذا كانت جنازة الدكالي مؤلمة. لأنها لم تطرح فقط سؤال رحيل فنان كبير، بل سؤال علاقتنا نحن بالجمال نفسه.
هل نريد فعلا مجتمعا يتذوق الفن؟ أم فقط مجتمعا يستهلكه ثم يتركه يرحل بصمت؟
وبين ما يقال وما لا يقال… قد يكون أخطر ما يحدث للمجتمعات ليس موت الفنانين، بل أن تموت فيها القدرة على الإحساس بالجمال.