السلوك المدني بوزان بين التراجع والمسؤولية
في كلمات معدودة يمكن تعريف السلوك المدني بأنه: "مجموعة من التصرفات الطوعية والأخلاقية التي تعكس وعي الفرد واحترامه للغير وللقوانين والممتلكات العامة والخاصة، ويهدف إلى تعزيز التعايش السلمي والتنمية والمسؤولية الجماعية، ويشمل الاحترام والتعاون ونظافة الفضاءات العامة، بما يساهم في بناء مجتمع متمدن ومنتظم".
هذا التعريف الموجز للسلوك المدني يدفعنا إلى طرح السؤال العريض التالي: أين أهل دار الضمانة من هذا الإطار النظري؟ وإذا كان هناك شبه إجماع على أن المدينة الضاربة جذورها في تاريخ المدنية في مختلف المجالات، فما الذي جعلها اليوم تنزلق نحو الدرك الأسفل في كل ما له علاقة بالسلوك المدني؟
لسنا هنا بصدد تحليل أسباب ما حدث ويحدث، ولكن بما أن المناسبة شرط، فإن أهمية الموضوع تفتح شهية النبش فيه، فإننا ننتظر أن تبادر جمعيات المجتمع المدني بتسليط الضوء عليه، بدل أن تظل الكثير منها سجينة أنشطة رتيبة يطغى عليها طابع الاحتفالية التي يُسدل عليها الستار من دون أن تترك آثارا محسوسة.
من المظاهر التي توجد في تعارض صارخ مع السلوك المدني بوزان، وتستفز الوعي الجمعي لأهلها، ما يتعرض له فضاؤها العام من تصرفات تجني على كل ما هو جميل ومشترك بينهم/ن. خطورة ما يحدث ليست في مادية التصرفات، ولكن في التنشئة الاجتماعية التي نربي عليها أطفالنا في علاقتهم/ن بما هو مشترك، وبالتالي آثار ذلك عليهم/ن غدا وهم/ن كبار.
أي تفسير ممكن أن نعلل به تكسير قنينات النبيذ بكل أنواعها والتخلص منها بفضاء تاشتا، الذي تقصده الأسر للبحث عن قسط من الراحة بعيدا عن الضغوط النفسية والاجتماعية التي تلاحقهم بمدينة تخنقهم هندستها؟ وكيف يرتفع منسوب انعدام الأخلاق عند هؤلاء وهم/ن يعتدون على فضاء له رمزية تاريخية عند أهل دار الضمانة؟ وحتى لا ينزلق تفكير البعض، فإننا ننبه إلى أن موضوع مقرعة "كؤوس الرشوق" لا يعنينا لا من قريب ولا من بعيد، فتلك حياة خاصة.
لماذا يتحول منتزه بودرة الطبيعي، الذي تحج إليه الأسر الوزانية نهاية كل أسبوع، إلى مجمع للأزبال والنفايات بكل أنواعها؟ هذا دون الحديث عن الاعتداء على أشجاره ونباتاته، وإتلاف التجهيزات الموضوعة رهن إشارة الزوار صغارا وكبارا.
وماذا عن ميدان 3 مارس، الذي تقصده النساء بالدرجة الأولى بمعية أطفالهن لتزجية الوقت، لكنه يتحول إلى مجال للمضايقة والمعاكسة، وساحة لممارسة رياضة الكرة، وإتلاف نباتاته؟
وفي أي خانة ممكن أن نؤطر السلوك اللامدني لبعض التجار والمواطنات والمواطنين المجاورين لساحة المريتاح، وهم يحولون يوميا زاوية من شارع محمد الخامس إلى مطرح للنفايات المنزلية والمتجرية؟ وكيف يجيز البعض لنفسه تلويث الجدران الخارجية لبيوت أصحابها بكتابات ساقط قاموسها؟
نكتفي بالإشارة إلى هذه المظاهر، رغم أن صور السلوك اللامدني لا تقتصر على مجال دون غيره، ورغم أن المدينة لا تخلو من نسج أهلها لخيوط من السلوك المدني، لكن "حوتة وحدة كتخنز الشواري".
كم سيكون جميلا أن يعلن النسيج الجمعوي حالة استنفار في صفوفه، فيسارع إلى إطلاق حملات تحسيسية هادفة تنتهي برد الاعتبار للسلوك المدني، والأجمل أن ينفض مجلس جماعة وزان الغبار وتجليات الرطوبة عن اختصاصاته ذات الصلة بتدبير الفضاء العام. أليس تفعيل آلية الوقاية مضمونة النتائج مقارنة بآلية العلاج المرتفعة كلفتها؟