محمد براو: إحالة جدل رقابة الشركات الجهوية للتنمية على مجلس الحسابات قبل التصويت... نحو تشريع مؤسس على الخبرة المؤسساتية لا التقدير السياسي فقط

محمد براو: إحالة جدل رقابة الشركات الجهوية للتنمية على مجلس الحسابات قبل التصويت... نحو تشريع مؤسس على الخبرة المؤسساتية لا التقدير السياسي فقط محمد براو

يثير النقاش الدائر داخل البرلمان المغربي حول مشروع تعديل القانون التنظيمي للجهات، ولا سيما ما يتعلق بإخضاع الشركات الجهوية للتنمية أو لتنفيذ المشاريع للرقابة المالية بوجه عام ولرقابة المحاكم المالية بوجه خاص، إشكالًا يتجاوز بكثير حدود الاختيارات التقنية أو التنظيمية، ليمس جوهر البناء الدستوري للحكامة المالية بعد دستور 2011.

فالمسألة ليست مجرد تحديد لنطاق رقابة مؤسسة دستورية، بل تتعلق بإعادة رسم حدود العلاقة بين المرونة التدبيرية للجهات ومقتضيات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير المال العام، خصوصًا حين يتم اللجوء إلى صيغ القانون الخاص لتنفيذ سياسات عمومية ترابية.

ومن ثم، فإن جوهر الإشكال ليس تقنيًا بل دستوري ومؤسساتي بامتياز، ويستدعي مقاربة أعمق من مجرد التقدير السياسي الآني داخل المؤسسة التشريعية.

أولاً: البرلمان أمام إشكال مركب يستدعي الاستنارة بالخبرة الرقابية العليا

إن طبيعة الإشكال المطروح تكشف أن البرلمان لا يناقش نصًا تقنيًا بسيطًا، بل يعالج مسألة تتعلق بهندسة الرقابة على المال العام في إطار الجهوية المتقدمة، وما يترتب عنها من آثار على توازنات الحكامة الترابية.

وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الملائم، بل من الضروري، اللجوء إلى آلية الاستشارة المسبقة للمؤسسة الدستورية المختصة بالرقابة المالية العليا، أي المجلس الأعلى للحسابات، باعتباره:

وعليه، ووفق تقديرنا التقني الموضوعي المجرد، فإن إحالة الإشكال على المجلس الأعلى للحسابات قبل التصويت البرلماني تمثل تطبيقا لنص الدستور من جهة أولى، وتفعيلًا عمليًا لمبدأ التعاون المؤسساتي وتكامل الوظائف الدستورية، وليس مساسًا باختصاص السلطة التشريعية من جهة أخرى.

ثانياً: منطق الدستور يفرض بناء القرار التشريعي على الخبرة المؤسساتية

لقد كرس دستور 2011 تحولًا بنيويًا في فلسفة تدبير المال العام، عبر الانتقال من منطق الرقابة الشكلية إلى منطق الشمول الوظيفي للرقابة، حيث لم يعد معيار الخضوع للرقابة مرتبطًا فقط بالشكل القانوني، بل بوظيفة المؤسسة ومصدر تمويلها وطبيعة المهام المسندة إليها.

ومن هذا المنظور، فإن الشركات الجهوية للتنمية، رغم خضوعها للقانون الخاص، تظل:

وبالتالي، فإن القرار التشريعي بشأنها لا ينبغي أن يُبنى على تقدير نظري فقط، بل على تقييم مؤسساتي مسبق يوازن بين النجاعة والرقابة.

ثالثاً: التجارب الوطنية والدولية تؤكد مركزية الاستشارة المسبقة للأجهزة العليا للرقابة

في الأنظمة الدستورية المقارنة، لم يعد إشراك مؤسسات الرقابة العليا في النقاش التشريعي المالي مسألة استثنائية، بل أصبح جزءًا من منطق الحكامة الحديثة.

ففي فرنسا، تضطلع مؤسسات المحاكم المالية بدور استشاري وتقييمي مهم في توجيه النقاش البرلماني حول النصوص ذات الأثر المالي والمؤسساتي.

لكن هذا التوجه لا يقتصر على النموذج الفرنسي. ففي الأنظمة اللاتينية، مثل البرازيل والأرجنتين، تمارس أجهزة الرقابة العليا دورًا محوريًا في تقييم مشاريع القوانين ذات الأثر المالي وتقديم ملاحظات تقنية موجهة للبرلمان، بما يعزز جودة التشريع ويقلل من مخاطر سوء التقدير في التنفيذ.

أما في الأنظمة الأنجلوسكسونية، فإن المؤسسات العليا للرقابة تضطلع بدور متقدم في تقييم الأداء العمومي وتقديم تقارير برلمانية استشارية تُسهم في توجيه القرار التشريعي، خاصة في القطاعات ذات الكلفة المالية العالية أو البنيات المعقدة.

وعلى المستوى الوطني

فإن الفصل 148 واضح صريح في إتاحة الدستور للمجلس الأعلى للحسابات صلاحية المساعدة للبرلمان في مجال التشريع والرقابة والتقييم، كما أن التجربة المغربية بعد دستور 2011 كرست بدورها منطق الحكامة التشاركية بين البرلمان ومؤسسات الرقابة، حيث أصبح المجلس الأعلى للحسابات فاعلًا مرجعيًا في تقييم السياسات العمومية وإنتاج المعطيات الموجهة للتشريع.

كما أن الممارسة الدستورية أظهرت اللجوء إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية مؤسسات الحكامة، مثل مجلس المنافسة أو الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عند مناقشة مشاريع قوانين ذات طابع تخصصي، بما يعكس ترسيخ مبدأ التشريع المؤسس على الخبرة المؤسساتية.

ومن ثم، فإن طلب رأي المجلس الأعلى للحسابات في موضوع الرقابة المالية على الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع يندرج في هذا التطور الطبيعي وليس استثناءً عنه.

رابعاً: استحضار الرقابة الدستورية كضامن لوحدة النظام الرقابي

إلى جانب البعد التشريعي، يظل من الضروري استحضار موقع الرقابة الدستورية باعتبارها الضامن الأعلى لانسجام المنظومة القانونية مع الدستور.

فأي تعديل تشريعي يمس بنية الرقابة على المال العام يُقاس بمدى قدرته على الصمود أمام رقابة المحكمة الدستورية، باعتبارها الجهة المختصة بحماية سمو الدستور وضمان عدم المساس بجوهر مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وشمولية الرقابة.

وفي هذا السياق، فإن أي توجه قد يؤدي إلى إحداث مناطق رمادية في الرقابة المالية أو إلى تفكيك وحدة النظام الرقابي للمحاكم المالية يطرح إشكالًا دستوريًا جديًا، لأن الدستور يقوم على منطق وحدة المرجعية الرقابية لا على تشتتها.

وعليه، فإن استباق هذا الاحتمال من خلال إحالة الإشكال على المجلس الأعلى للحسابات قبل التصويت البرلماني يندرج أيضًا ضمن منطق الوقاية الدستورية، عبر تحصين النص من مخاطر عدم الدستورية المحتملة.

خاتمة: نحو تشريع مبني على الخبرة المؤسساتية لا التقدير السياسي فقط

إن الجدل الراهن حول الشركات الجهوية للتنمية هو اختبار حقيقي لقدرة النظام المؤسساتي المغربي على الانتقال من منطق التشريع القائم على التقدير السياسي وحده إلى منطق التشريع المؤسس على الخبرة التقنية والمعطيات الرقابية المؤسساتية المسبقة.

ومن هذا المنظور، فإن إحالة هذا الإشكال على المجلس الأعلى للحسابات قبل التصويت البرلماني تمثل:

فالدولة الحديثة لا تُقاس بسرعة التشريع فقط، بل بمدى قدرته على تحقيق التوازن بين النجاعة والرقابة، وبين الحرية التدبيرية وحماية المال العام، في إطار وحدة مرجعية دستورية لا تقبل التجزيء أو إنشاء مناطق معزولة عن المساءلة.

 

*الدكتور محمد براو، خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد متخصص في المحاكم المالية وباحث له عدة مؤلفات مرجعية في الموضوع منها كتابه “مسؤولية الفاعلين في التدبير العمومي أمام المجلس الأعلى للحسابات” الحائز على جائزة المغرب للكتاب سنة 2018.