أحمد الحطاب
عندما أقول إن السياسة تدور في حلقةٍ مُفرَغة، فالمقصود هو أن هذه السياسة أصابها الجمود l'immobilisme والعقم الفكري la stérilité intellectuelle. وبما أن الأحزاب السياسية لها قيادات تُدير شؤونَها، فهذه القيادات هي المسؤولة عن هذا الجمود وهذا العُقم الفكري. الجمود يعني أن الأحزابَ السياسية لا تتطوَّر من وضعٍ إلى أحسن منه. أما العقم الفكري، فإنه يعني توقُّفَ الأحزاب السياسية عن أنتاج الأفكار والمُساهمة في التثقيف وفي التوعية. ولهذا، فأسباب هذين الجمود والعقم آتيةٌ من داخل الأحزاب السياسية نفسها. وهذه الأسبابُ واضِحةٌ للعيان، أذكر من بينها ما يلي :
1.نفس الوجوه تتعاقب على القيادة الحزبية. وعندما أقول "نفس الوجوه"، فالأمر يَتعلَّق بنفس العقليات المدبِّرة لشؤون الأحزاب. وهذا يعني أن الأحزابَ، المُدارَة شؤونُها بنفس العقليات، لا تتطوَّر، لا من حيث إنتاج الأفكار ولا من حيث تجديد أساليب تمثيلِية الشعب. وهذا يعني، كذلك، أن هذه الأحزاب، عندما تصل إلى كراسي السلطة، لا تُبدِع الحلولَ لمشاكِل الشعب. بل الحلول المقترحة تزيد من خطورة هذه المشاكِل. وهذا ما نُسمِّيه الدوران في حلقة مُفرَغة tourner dans un cercle vicieux.
2.وكمثالٍ للدوران في حلقةٍ مُفرَغة، ما يمكِنُ الاستشهاد به، هو أزمة جودة خدمات المنظومة التربوية. فكلما حاولت الحكومات، المتعاقبة على تدبير الشأن العام، التَّصدِّي لهذه الأزمة، كلما تدهورت جودة خدمات هذه المنظومة. والدليل على ذلك، التقرير الأخير الصادر عن منظمة اليونسكو بتاريخ 25 مارس 2026، والذي ينصُّ على أن جودةَ التعليم وتكافؤَ الفُرص، عنصُران في حاجة إلى المزيد من التطوير.
3.نفس الخطاب السياسي نسمعه هنا وهناك. ونفس النقاشات في البرلمان، غالباً ما تتحول إلى مُشادَّة كلامية، هذا إن لم تتحوَّل إلى مهرجان للسَّبِّ والشتم. فعوض أن يضيعَ الوقت في ابتكار الحلول لمشاكلِ الشعب، غالباً ما تتحوَّل النقاشات إلى ملاسنات لاذعة، بعيدا عن ما ينفع البلادَ والعباد أو الصالح العام. علماً أن الشعبَ في حاجة ماسة لابتكار الحلول لمشاكِلِه.
4.النقاش في البرلمان يتَّسِم بالرتابة la routine والتكرار la répétition والعقم la stérilité، وفي نهايته، تفعل الأغلبية ما تريد وما خطَّطت له، عبر التصويت. لماذا؟ لأن النقاشَ ليس إلا مسرحية لذر الرماد على عيون الشعب المغربي. بل السياسة كلها، في هذا البلد السعيد، هي نفسُها، ليست إلا مسرحية.
5.رغم النقاشات، الحارقة أحياناً، لم يناقش البرلمانُ مشاكلَ البلاد الحقيقية التي، بسبب عدم مناقشتِها وإيجاد حلول لها، الشعب المغربي وُجدَ ولا يزال يجد نفسَه في قاعة انتظارٍ شاسعة الأطراف اسمُها التراب المغربي. وهذه المشاكل كثيرة، أذكر من بينها، محاربة الفساد وتوزيع الثروة التي تُنتِجها البلاد توزيعاً عادلاً ومُنصفاً، النهوض بجودة التَّعليم…
السؤال الذي يفرض نفسَه علينا، هنا، هو : "لماذا لم تُناقش هذه المشاكل في البرلمان؟
لم تناقش لأنها تتعارض مع مصالح جل الأحزاب السياسية، وعلى رأس هذه الأحزاب، الأحزاب الثلاثة المُشكِّلة للأغلبية البرلمانية و وَليدتِها الحكومية. فهل هناك شيء، دستوري أو قانوني، يمنع الحكومة الحالية، وحتى الحكومات السابقة، من مُحارَبة الفساد وتوزيع الثروة التي تُنتِجها البلادُ توزيعاً عادِلاً ومُنصِفاً وتحسين جودة التعليم؟.
بالعكس، الدستور المغربي حريصٌ أشدَّ الحرص على تخليق الحياة العامة la moralisation de la vie publique. وتخليق الحياة العامة غير ممكنٍ في مشهدٍ سياسي مشحون بالفساد. إذن، الحكومة الحالية وسابقاتُها، فضَّلت التعايشَ مع الفساد، لأنه، بدونه، لم تتحقَّق ولن تتحققَ مصالحُ أعيان الأحزاب، الأثرياء منهم والراغبون في أن يصبِحوا أثرياء. وجل الأحزاب السياسية تعرف، حق المعرفة، المكانةَ التي توليها لهؤلاء الأعيان الانتهازيين les personnalités de marque opportunistes.
ومن دواعي انتشار الفساد، عدم توزيع الثروة التي تُنتِجها البلاد توزيعا عادِلا ومُنصفاً. إذن، فمَن هو المستفيدُ من الثروة التي تُنتِجها البلاد؟ المستفيد هم أقلية قليلة une hyperminorité من أعيان الأحزاب السياسية، الأثرياء منهم والراغِبون في أن يُصبحوا أثرياء، والمالكون للسلطة والمال.
فكيف لأحزابٍ سياسية أن تفكِّرَ في تحسين جودة التعليم، مادياً وتربورياً، وهي لم تعطِ أية أهمِّية لتخليق الحياة العامة؟ الأحزاب السياسية التي تنشط في مشهدٍ سياسي مشحونٍ بالفساد لا يمكن، على الإطلاق، أن تفكِّرَ في شيء يرفع وعيَ الشعب ويحسِّن إدراكَه لأمور الحياة الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية. من مصلحة جل الأحزاب السياسية أن يبقى التعليم على ما هو عليه، أي بدون جودةٍ تعود بالنَّفعِ على البلاد والعباد. ولهذا، فكل الإصلاحات التي طالت منظومتَنا التَّربوية، باءت بالفشل، إلى أن أصبحنا نعيش ما يُسمى ب"إصلاح الإصلاحات". صحيح أن إصلاحَ المنظومة التربوية يتطلَّب وقتا طويلا، وذلك، حسب نوعية المشاكل التي يُراد معالجتُها. إلا أن الخبراء يقولون إن الوقتَ الطويلَ قد يدوم عقداً كاملاً أو عقدين. أليس هذا دورانُ في حلقة مفرغة؟
السياسة، في هذا البلد السعيد، تدور في حلقة مفرغة، إذ لا تزال المشاكل الحقيقية التي يعاني منها الشعب المغربي قائمة وتعوق تقدُّمَ البلاد وتحدُّ من تنميتِها : الفساد، توزيع الثرة، تحسين جودة خدمات المنظومتين التعليمية والصِّحية، الأمية، الفقر، الفوارق الاجتماعية والمجالية، رفع القدرة الشرائية، العزوف عن السياسة وعن الانتخابات، تجديد النخب السياسية وغير السياسية…
أليس بقاء هذه المشاكل على حالها، "دورانٌ في حلقة مفرغة"؟ علما أن أهم نتائج conséquences هذا الدوران، هي حدوث قطيعةٍ une rupture بين الشعب وحكامه. الشعب يعزف عن السياسة ولا يُعِيرها أي اهتمامٍ. الحُكام يستغلُّونها فرصةً ليَصُولوا ويجولوا في المشهد السياسي طبقاً لأهوائهم. ومن نتائج هذا الدوران في حلقة مفرغة، انتشار الشعبوية le populisme، الحدُّ من التنمية البشرية، الاجتماعية والاقتصادية وكهربة الجو الاجتماعي الذي قد يؤدي إلى العنف la violence والتَّطرُّف la radicalisation…