الدكتور أنور الشرقاوي خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي
هذا النداء هو خلاصة التوصيات الرئيسية للملتقى العلمي حول الدهون المتحولة، الذي احتضنته الرباط يوم السبت 9 ماي 2026، بمشاركة 609 علماء وخبراء حضوريًا وعن بُعد، يمثلون 38 دولة من مختلف أنحاء العالم.
نادراً ما يفكر المستهلك في الدهون المتحولة عندما يختار ما يضعه على مائدته.
ومع ذلك، فإن هذه المواد الصناعية تُعد من أخطر الأعداء الصامتين للقلب والشرايين.
في الرباط، وخلال الدورة 15 للمؤتمر الدولي حول السكري والتغذية، وجّه الخبراء رسالة واضحة لا تحتمل التأويل: المغرب يمتلك اليوم كل الأدلة العلمية، وكل التجارب الدولية الناجحة، وكل الأدوات التقنية الضرورية للتخلص من هذه المواد الضارة في غذائه.
ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل المعرفة العلمية إلى إرادة سياسية، وتحويل الإرادة السياسية إلى برنامج وطني منظم وفعّال.
الدهون المتحولة: خطر صامت في أطباق المغاربة
توجد الدهون المتحولة الصناعية في عدد كبير من المنتجات الغذائية، مثل المعجنات، والبسكويت، والمقليات، والوجبات الجاهزة.
وقد أثبتت الدراسات العلمية بشكل قاطع أنها ترفع بشكل ملحوظ خطر الإصابة بالجلطة القلبية، والسكتة الدماغية، والوفاة المبكرة.
العلم قال كلمته منذ زمن، ولم يعد هناك مجال للشك في خطورة هذه المواد.
ولم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت الدهون المتحولة ضارة، بل أصبح السؤال: متى سيتم التخلص منها نهائيًا من غذاء المغاربة؟
خلال هذا اللقاء العلمي الدولي، الذي نظمته العصبة المغربية لمحاربة السكري، والجمعية المغربية للتغذية والصحة والبيئة، والجامعة الدولية بالرباط، ومركز Knowledge to Policy Center، بدعم من Resolve to Save Lives، أكد المشاركون بالإجماع أن الدهون المتحولة تمثل خطرًا يمكن تفاديه، وأن القضاء عليها يجب أن يتحول إلى أولوية وطنية عاجلة.
معركة نجحت فيها دول أخرى
أثبتت عدة دول أن النجاح ممكن عندما تتوفر الإرادة السياسية والرؤية الواضحة.
فقد اعتمدت المملكة العربية السعودية، وسلطنة عُمان، وبنما قوانين صارمة تمنع الزيوت المهدرجة جزئيًا أو تحد بشكل كبير من نسبة الدهون المتحولة في الأغذية.
وأظهرت هذه التجارب أن القرارات الجريئة، المدعومة بالمراقبة الدقيقة والتعاون بين مختلف القطاعات، تؤدي إلى نتائج سريعة وملموسة.
والمغرب قادر اليوم على الاستفادة من هذه النماذج الناجحة لبناء استراتيجية وطنية تتلاءم مع واقعه الصحي والاقتصادي والصناعي.
مشروع وطني يهم المجتمع بأكمله
القضاء على الدهون المتحولة ليس مجرد قرار تقني محدود.
إنه ورش وطني متكامل يقوم على عدة محاور أساسية، تشمل تشديد القوانين، وتبسيط البيانات الغذائية، ومراقبة المنتجات المستوردة، وتوعية المواطنين، وإشراك وسائل الإعلام بفعالية.
ومن بين الأدوات المهمة التي يمكن اعتمادها نظام Nutri-Score، إلى جانب وضع معلومات غذائية واضحة على واجهة العلب، حتى يتمكن المستهلك من اتخاذ قرارات غذائية أكثر وعيًا.
كما يتعين على الصناعات الغذائية إعادة صياغة منتجاتها للحفاظ على الطعم والجودة، مع ضمان السلامة الصحية.
وسيكون للجامعات ومراكز البحث دور أساسي في تطوير بدائل فعالة، ذات جودة عالية وتكلفة معقولة.
أما المنتجات المستوردة، فيجب أن تخضع لنفس المعايير المطبقة على المنتجات الوطنية، مع تعزيز المراقبة على الحدود.
قيادة مؤسساتية قوية لا غنى عنها
هذا الإصلاح لا يمكن أن ينجح إذا تُرك لمبادرات متفرقة أو جهود معزولة.
بل يحتاج إلى استراتيجية وطنية طموحة، واضحة الأهداف، دقيقة المؤشرات، ومنسقة التنفيذ.
وتقع على عاتق وزارة الصحة والحماية الاجتماعية مسؤولية قيادة هذا الورش، من خلال تحديد التوجهات العامة، ووضع الأهداف، وتعبئة جميع الشركاء.
لكن هذه المسؤولية لا تخص قطاع الصحة وحده، بل تشمل مختلف القوى الحية في الوطن: القطاعات الحكومية الأخرى، و مختلف المؤسسات العمومية والشبه عنومية ، والصناعات الغذائية، والجامعات، والباحثين، وجمعيات حماية المستهلك، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والشركاء الدوليين.
وهكذا يصبح القضاء على الدهون المتحولة مشروعًا وطنيًا جامعًا، تلتقي فيه المعرفة العلمية مع التشريع والتربية وروح المواطنة.
استثمار في قلوب الأجيال القادمة
التخلص التدريجي من الدهون المتحولة ليس مجرد إجراء غذائي.
إنه استثمار استراتيجي في صحة المواطنين، قادر على الوقاية من آلاف الجلطات القلبية والدماغية، وتخفيف العبء المالي عن المنظومة الصحية، وتحسين جودة حياة الملايين من المغاربة.
وهو أيضًا خيار حضاري يعكس رؤية مغرب يفضّل الوقاية على العلاج، ويحمي أبناءه قبل أن يصبحوا مرضى، ويجعل من الصحة ركيزة أساسية للتنمية البشرية.
عندما تتحول المعرفة إلى قرار
سيذكر التاريخ أن المغرب كان يدرك حجم الخطر، وأن الحلول كانت متاحة أمامه، وأن تجارب العالم كانت تقدم له الطريق بوضوح.
ويبقى السؤال الذي يطرحه المستقبل: متى تتحول هذه المعرفة إلى قرار سيادي شجاع؟
فالسياسات الصحية الكبرى تبدأ دائمًا بالوعي، لكنها لا تدخل التاريخ إلا عندما تتحول إلى أفعال ملموسة.
إن القضاء على الدهون المتحولة من غذاء المغاربة ليس مجرد إصلاح غذائي.
إنه إعلان وطني بأن حماية قلوب المغاربة جزء من رؤية حديثة، واعية، ومسؤولة للمستقبل.
وربما سيأتي يوم تنخفض فيه وفيات أمراض القلب والشرايين، ويتم إنقاذ آلاف الأرواح، فيتذكر الجميع أن الرباط، في سنة 2026، أنصتت إلى صوت العلم، واختارت أن تجيب بالفعل.
الدكتور أنور الشرقاوي /خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي