محمد الطنطاوي
يشكل موسم الحصاد لحظة حاسمة في حياة الفلاح المغربي، غير أن هذه المرحلة التي كانت ترتبط قديما ً بالفرح وجني ثمار التعب، تحولت اليوم إلى عبء ثقيل يثقل كاهل الفلاح الصغير والمتوسط، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتنامي هيمنة المضاربين على سوق الحبوب والأعلاف.
لقد أدى الارتفاع الصاروخي لأسعار المحروقات إلى انعكاسات مباشرة على مختلف العمليات الفلاحية، سواء تعلق الأمر بفترة موسم الحرث أو خلال موسم الحصاد أو حتى نقل المنتوجات، مما تسبب في ارتفاع تسعيرة كراء آلات الحصاد وتزايد مصاريف الصيانة والاستغلال. وأصبح الفلاح المغربي رهين تقلبات السوق الدولية للمحروقات، في غياب دعم حقيقي ومباشر يخفف من أعبائه خلال فترات الذروة الفلاحية.
وفي المقابل، يجد الفلاح نفسه بعد نهاية موسم الحصاد تحت رحمة المضاربين والسماسرة الذين يستغلون حاجته للسيولة من أجل شراء محصوله بأثمان بخسة لا تغطي أحياناً حتى تكلفة نفقات الإنتاج، قبل أن يعاد طرح تلك الحبوب في الأسواق بأثمان مضاعفة خلال فترات الندرة، وهو ما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي وعلى القدرة الشرائية للمواطنين والكسابة على حد سواء.
إن الوضع الحالي يفرض على الحكومة تدخلا عاجلا من الجهات المختصة من أجل حماية الفلاح وضمان استقرار القطاع الفلاحي، عبر تسعير عادل للحبوب يضمن هامش ربح معقول للمنتج، إلى جانب التفكير في صيغ لدعم المحروقات الفلاحية خلال مواسم الحرث والحصاد، وتشجيع التعاونيات الفلاحية لامتلاك معدات وآلات مشتركة تكسر منطق الاحتكار والاستغلال.
كما أن الحاجة أصبحت ملحة لفتح نقاش عمومي جاد حول إعادة الاعتبار لوسائل التخزين التقليدية التي شكلت عبر التاريخ صمام أمان للأسر القروية المغربية، من قبيل “المطمورة” و “الكور” و “النادر”،...باعتبارها آليات تراثية فعالة في حفظ الحبوب والأعلاف وتدبير سنوات الجفاف والندرة. فقد أثبتت هذه الوسائل نجاعتها في ضمان الإكتفاء الذاتي وحماية القطيع من أزمات الأعلاف التي تتفاقم مع كل موسم جفاف.
إن إعادة إحياء ثقافة التخزين التقليدي لا تعني العودة إلى الوراء، بل تمثل استلهاما لحكمة الأجداد في تدبير الموارد وحماية الأمن الغذائي المحلي، خاصة في ظل التغيرات المناخية والتقلبات الاقتصادية العالمية.
ويبقى الرهان اليوم هو تحقيق توازن حقيقي بين الحداثة في التنظيم والدعم، والأصالة في التدبير والتخزين، بما يضمن كرامة الفلاح واستقرار العالم القروي، ويحمي الأمن الغذائي الوطني من المضاربات والأزمات المتكررة.