أمينة مراد: حين يتحول الحزب إلى جهاز للضبط بدل أن يكون أداة للتغيير

أمينة مراد: حين يتحول الحزب إلى جهاز للضبط بدل أن يكون أداة للتغيير أمينة مراد

في لحظة سياسية واجتماعية دقيقة تتسم بتصاعد الأزمات الاقتصادية وتآكل الثقة في الفعل الحزبي، يبدو من المؤلم أن تنحرف بعض التنظيمات السياسية عن أدوارها التاريخية، لتتحول من فضاءات للتفكير الجماعي والتأطير الشعبي إلى أجهزة منشغلة بإدارة الولاءات الداخلية وممارسة الضبط التنظيمي والعقاب السياسي.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حزب ليس الاختلاف الفكري، بل الخوف من الاختلاف نفسه. فالتنظيم الذي يعجز عن استيعاب التعدد داخل صفوفه يتحول تدريجياً إلى بنية مغلقة تعيد إنتاج السلطوية التي يدّعي معارضتها في المجال العام. وهنا تبرز المفارقة السياسية والأخلاقية الكبرى: كيف لحزب يرفع شعارات الديمقراطية والعدالة والتحرر أن يمارس داخل هياكله منطق الإقصاء والتضييق والطرد في حق مناضلين وكفاءات لمجرد امتلاكهم لرأي مغاير أو قراءة نقدية لمساره السياسي والتنظيمي؟
لقد أصبح واضحاً أن جزءاً مهماً من الزمن السياسي للحزب يُستنزف اليوم في معارك داخلية هامشية، وفي تفعيل مساطر تأديبية أقرب إلى عقلية “تدبير الولاء” منها إلى ثقافة التنظيم الديمقراطي. بل إن بعض التيارات التي انبثقت من رحم الحزب، وكان يفترض أن تشكل امتداداً للنقاش الفكري داخله، صارت تُعامل باعتبارها تهديداً ينبغي عزله أو التخلص منه، بدل فتح نقاش سياسي مسؤول حول أسباب هذا التصدع التنظيمي والفكري.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في انسحاب بعض المناضلين أو تشكل كتل سياسية جديدة، لأن ذلك يظل ظاهرة طبيعية داخل أي تجربة سياسية حية، بل في عجز القيادة عن مساءلة ذاتها وفهم الأسباب العميقة لهذا النزيف التنظيمي. فحين يبدأ المناضلون، فرادى وجماعات، في فقدان الثقة في التنظيم، ويصبح خيار البحث عن تحالفات أو امتدادات سياسية أخرى أكثر جاذبية من البقاء داخله، يصبح السؤال الحقيقي ليس: “كيف نمنعهم؟”، بل: “كيف وصل الحزب إلى هذه الدرجة من الانغلاق وفقدان الجاذبية السياسية؟”.
أما العبث الحقيقي، فيتمثل في تحول العملية السياسية برمتها إلى مجرد هندسة انتخابية ظرفية، تُبنى على الحسابات التقنية والتحالفات التكتيكية الخالية من أي أفق مجتمعي أو مشروع فكري واضح. فتشكيل كتل انتخابية بشكل متسرع لمواجهة الاستحقاقات المقبلة، في ظل غياب مراجعة نقدية حقيقية، لا يعكس حيوية سياسية بقدر ما يكشف عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها الفعل الحزبي اليوم.
فالسياسة ليست مجرد سباق نحو المقاعد، ولا عملية تدبير انتخابي موسمي، بل هي القدرة على إنتاج المعنى والأمل والبدائل. كما أن الجماهير الشعبية لم تعد تنتظر من الأحزاب لغة خشبية مستهلكة، ولا خطابات إنشائية تقوم على السفسطة السياسية وإعادة تدوير الشعارات القديمة، بل تنتظر مشروعاً مجتمعياً قادراً على الإجابة عن الأسئلة الحقيقية للمغاربة: البطالة، الغلاء، انهيار القدرة الشرائية، أزمة التعليم والصحة....،واتساع الفوارق الاجتماعية بشكل غير مسبوق.
وفي ظل التحولات الدولية الراهنة، اقتصادياً وسياسياً، يصبح من العبث السياسي أن تستمر بعض الأحزاب في استنزاف طاقتها داخل متاهات الصراع التنظيمي، بدل الانخراط الجدي في بلورة استراتيجيات علمية وموضوعية للتصدي للأزمة الاجتماعية المتفاقمة. فالمواطن الذي يواجه هشاشة العيش لا يعنيه كثيراً من انتصر داخل المكتب السياسي أو من تم طرده من هذا الفرع أو ذاك؛ ما يعنيه هو: من يمتلك تصوراً حقيقياً لإنقاذ كرامته الاجتماعية والاقتصادية؟
أثبتت التجارب أن الأحزاب التي تفقد صلتها بالواقع الإجتماعي، وتستبدل النقاش الفكري الحر بثقافة الانضباط الأعمى، تتحول تدريجياً إلى هياكل بيروقراطية عاجزة عن الإقناع والتأثير. كما أن التنظيم الذي يُقصي كفاءاته ويُحاصر أصواته النقدية يساهم عملياً في إفقار نفسه سياسياً وفكرياً، ويفتح الباب أمام مزيد من العزوف وفقدان الثقة.
ولا مناص من التذكير بأن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من التحكم التنظيمي، بل إلى إعادة تأسيس الفعل الحزبي على قاعدة الديمقراطية الداخلية، والنقد الذاتي، والانحياز الحقيقي للقضايا الاجتماعية. فالأحزاب التي لا تملك الجرأة لمراجعة أخطائها محكومة بأن تتحول إلى مجرد آلات انتخابية فاقدة للروح السياسية.
فالأزمة اليوم ليست أزمة أفراد، بل أزمة تصور سياسي كامل، أصبح عاجزاً عن التمييز بين الانضباط الديمقراطي ومنطق الضبط السلطوي، وبين وحدة التنظيم وحق الاختلاف داخله. فحين تنشغل الأحزاب بإدارة الولاءات أكثر من انشغالها بإنتاج البدائل، تتحول تدريجياً من أدوات للتغيير المجتمعي إلى هياكل بيروقراطية منفصلة عن نبض الواقع وانتظارات الجماهير.
والتنظيمات التي تخشى أصواتها النقدية لا تؤسس لوحدة سياسية حقيقية، بل تؤجل فقط لحظة انفجار تناقضاتها الداخلية. فالحزب الذي يُقصي كفاءاته ويُحاصر الاختلاف داخله، يفقد تدريجياً قدرته على الإقناع والتجدد، لأن السياسة لا تُبنى بمنطق الطاعة والانضباط الأعمى، بل بقدرة التنظيم على إنتاج الفكر والأمل والبدائل الممكنة. وحين تتحول الأحزاب إلى هياكل مغلقة تستهلك نفسها في الصراع الداخلي، فإنها لا تخسر مناضليها فقط، بل تخسر أيضاً موقعها الطبيعي داخل المجتمع والتاريخ.

 

أمينة مراد

عضوة تيار اليسار الجديد المتجدد