نبيل عادل: عذرًا "عسو أوبسلام… " لقد وَرّثْتم أبناء الوطن حلم القلم، فسلّمناهم ظلام الأميّة

نبيل عادل: عذرًا "عسو أوبسلام… " لقد وَرّثْتم أبناء الوطن حلم القلم، فسلّمناهم ظلام الأميّة نبيل عادل

قال المجاهد عسو أوبسلام قائد مقاومة قبائل آيت عطا وبطل معركة بوغافر (1933) يومًا: "أحملُ السلاحٍ اليوم، كي يحمل أبنائي القلم غداً". لم يكن الرجل يحلم فقط بتحرير الأرض من الاستعمار، بل بتحرير الإنسان من الجهل، لأن المقاوم الحقيقي كان يدرك أن البندقية تحمي الوطن مؤقتًا، أما القلم فيبنيه للأبد. لكن المؤلم أننا، بعد عقود من الاستقلال، خُنّا وصية المقاومين حين تركنا ملايين المغاربة أسرى للأمية، عاجزين عن قراءة رسالة، أو فهم عقد، أو كتابة أسمائهم دون خوف أو ارتباك. لقد انتصر الأجداد في معركة التحرير، وفشل الأحفاد في معركة التنوير. وما أقسى أن يتحول حلم حمل القلم إلى رفاهٍ بعيد في وطنٍ ما يزال فيه الجهل قدَرًا يوميًا لملايين المواطنين.

 

في أي دولة تحترم نفسها، كان وجود 10 ملايين أمي كافيًا لإعلان حالة طوارئ وطنية، لا لإصدار بلاغات باردة وتدوير نفس الوجوه داخل نفس المؤسسات العقيمة. لكن في المغرب، تحولت الأمية إلى جزء من الديكور الوطني؛ كارثة ضخمة تعايشت معها الدولة والنخب حتى فقدت قدرتها على الصدمة. 23 عامًا من وجود وكالة لمحاربة الأمية تستهلك مئات الملايين من الدراهم سنويًا، والحصيلة النهائية أن ربع المغاربة ما زالوا عاجزين عن قراءة لافتة شارع أو فهم ورقة دواء أو توقيع عقد دون خوف من أن يكونوا قد باعوا حياتهم بثمن لا يعرفونه. ليست هذه سياسة عمومية، بل عملية تدوير بيروقراطي للفشل تحت اسم “الاستراتيجية الوطنية.

 

والأكثر مرارة أن دولًا أفقر وأشد حصارًا من المغرب حسمت هذه المعركة منذ عقود. كوبا، على سبيل المثال، لم تنتظر مؤتمرات دولية ولا خبراء “الحكامةولا تقارير ملونة عن الإدماج الاجتماعي. في سنة واحدة فقط، أعلنت الحرب على الأمية وكسبتها. أرسلت عشرات الآلاف من المتطوعين إلى القرى والجبال، وحولت التعليم إلى قضية تعبئة وطنية لا إلى ملف إداري نائم في رفوف المؤسسات. أما نحن، فنجحنا فقط في تحويل الأمية إلى “مؤشرداخل التقارير، وإلى مورد رزق دائم لجيش من الإداريين والخبراء والجمعيات التي تعيش على استمرار المشكلة أكثر مما تعيش على حلها.

 

ومن أكثر النماذج إبهارًا في التاريخ الحديث تجربة كوريا الجنوبية، التي كانت في خمسينيات القرن الماضي واحدة من أفقر دول العالم، مدمَّرة بالحرب، وتعيش نسب أمية مرتفعة في الأرياف وبين الكبار. لكن الدولة الكورية فهمت مبكرًا أن معركتها الحقيقية ليست فقط بناء المصانع، بل بناء الإنسان القادر على القراءة والفهم. خلال سنوات قليلة، أطلقت سيول حملات وطنية مكثفة لمحو الأمية، ربطت فيها التعليم بالتنمية الاقتصادية مباشرة، وجعلت من المدرسة مشروعًا سياديًا لا خدمة اجتماعية هامشية. تم تعبئة المعلمين والطلبة والجيش والإدارة المحلية، وتحولت القرى إلى ورشات تعليم جماعية، حتى أصبحت الأمية شبه منقرضة في ظرف وجيز مقارنة بحجم الدمار والفقر الذي كانت تعيشه البلاد.

 

والمفارقة المؤلمة أن كوريا الجنوبية لم تكن تملك ثروات طبيعية، ولا ميزانيات ريعية ضخمة، ولا خطابات حالمة عن “الاقتصاد المعرفيقبل أن تُنهي أولًا معركة الحروف الأبجدية. لقد فهم الكوريون حقيقة بسيطة تجاهلتها كثير من الدول المتعثرة: لا يمكن بناء أمة تكنولوجية فوق شعب عاجز عن القراءة. أما عندنا، فنريد القفز مباشرة إلى الذكاء الاصطناعي بينما ملايين المواطنين ما زالوا عاجزين عن ملء استمارة إدارية دون مساعدة. هنا بالضبط يتحول الحديث عن “التحول الرقميإلى نوع من الكوميديا السوداء الوطنية.

 

وفي المقابل، تبدو بعض نخبنا وكأنها تعيش فوق كوكب آخر. جزء منها اختزل الحداثة في معارك موسمية حول “الحريات الفرديةو“الإفطار العلنيو“العلاقات الرضائية، وجزء آخر يثرثر عن “الذكاء الاصطناعيو“المدن الذكيةو“التحول الرقمي، بينما يوجد ملايين المغاربة خارج الحد الأدنى من شروط الاندماج الإنساني نفسه. أي سخرية هذه؟ كيف يمكن الحديث عن “اقتصاد المعرفةفي بلد لا يستطيع فيه ملايين المواطنين قراءة فاتورة الماء أو فهم إشعار إداري؟ وكيف يمكن لنخبة أن تطلب من الناس الانخراط في نقاشات اقتصادية وقانونية معقدة، بينما ربع المجتمع لا يمتلك أصلًا أدوات القراءة التي تسمح له بفهم هذا النقاش؟

 

المأساة هنا ليست فقط في الأمية، بل في التطبيع معها. في أن تتحول إلى مشهد عادي لا يهز ضمير أحد. فالنخبة التي لم تذق ذل الأمية، ولم تعش الإهانة اليومية لإنسان يوقع بإبهامه لأنه لا يستطيع كتابة اسمه، أصبحت تتعامل مع الكارثة كأنها مجرد “اختلال اجتماعيضمن اختلالات أخرى. لذلك لا أحد يشعر بالعجلة، ولا أحد يريد إعلان المعركة الحقيقية. لأن الأمية، ببساطة، لا تسكن أحياءهم ولا تهدد مستقبل أبنائهم.

 

الأمي لا يعيش فقط خارج المدرسة، بل يعيش أحيانًا خارج كرامته اليومية. ذلُّه يبدأ من تفاصيل صغيرة لا يراها المتعلمون لأنهم اعتادوا نعمة الحروف. يقف أمام إدارة عمومية ممسكًا بورقة لا يفهم منها شيئًا، يحدّق في السطور كما يحدّق الغريب في لغة قادمة من كوكب آخر، ثم يلتفت بخجل إلى أول عابر سبيل: “واش ممكن تقرا ليا هاد الورقة؟. في تلك اللحظة، لا يشعر فقط بالعجز عن القراءة، بل بتوقف قلبه عن النبض.

 

الأمي يوقّع بإبهامه على عقود لا يعرف إن كانت تحفظ حقه أم تسلبه، ويشتري دواءً لا يستطيع قراءة جرعته، وقد يبتلع الخطر لأنه لا يميز بين “مرة يوميًاو“ثلاث مرات. يدخل الحافلة وهو خائف من أسماء المحطات، ويتظاهر بمعرفة الطريق حتى لا يفضحه السؤال. يضيع في المدينة لا لأن الشوارع معقدة، بل لأن الحروف مغلقة في وجهه كالأبواب الحديدية. وحين يذهب إلى البنك أو المستشفى أو المحكمة، يشعر كأنه طفل كبير السن أُلقي به وسط عالم لا يفهم إشاراته. يمدّ بطاقته الوطنية للموظف كما لو أنه يعتذر عن جهله، ويبحث دائمًا عن شخص “يشرح له، لأن الحياة الحديثة كلها مكتوبة، وهو يعيش خارج الكتابة. حتى هاتفه الذكي يتحول أحيانًا إلى قطعة زجاج مضيئة لا يملك مفاتيحها الحقيقية.

 

أما أقسى صور الذل، فهي تلك التي يعيشها الأب أو الأم أمام أطفالهما. حين يعود الابن من المدرسة طالبًا توقيعًا أو مساعدة في واجب منزلي، فيكتشف الأب أن ابنه الصغير صار يقرأ العالم أفضل منه. هناك، تنكسر أشياء كثيرة بصمت. يشعر الأمي أن الزمن تجاوزه، وأنه عاجز حتى عن مرافقة أبنائه في الطريق الذي حُرم هو نفسه من دخوله.

 

لهذا فالأمية ليست مجرد غياب مهارة، بل شكل يومي من أشكال الإقصاء الصامت. إنها أن تعيش في وطنك كأنك أجنبي عن لغته، وأن تمر كل يوم أمام الكلمات كما يمر الجائع أمام واجهة مطعم مغلق. لم يعد مقبولًا أن تُدار معركة الأمية في المغرب بعقلية البرامج الموسمية والبلاغات الباردة، وكأن الأمر يتعلق بورش إداري عادي لا بمأساة وطنية تمس روح الأمة نفسها. حين يكون بيننا أكثر من عشرة ملايين أمي، فنحن لا نعيش “اختلالًا تربويًا، بل حالة "احتباس حضاري" كامل الأركان.

 

أمة نزل أول أمر في قرآنها بكلمة “اقرألا يليق بها أن تتعايش مع هذا القدر من العتمة المعرفية، ولا أن تعتبر الأمية مجرد ملف ثانوي يُركن في رفوف الوكالات والتقارير السنوية. المطلوب اليوم ليس لجنة إضافية ولا استراتيجية بخطوط ملونة، بل تعبئة وطنية شاملة بحجم المعركة نفسها: إعلان حالة طوارئ وطنية ضد الأمية، تُسخَّر لها الدولة والمجتمع والمدرسة والمسجد والإعلام والجامعة، كما تُسخَّر الأمم طاقاتها في الحروب الوجودية. نحتاج إلى “مسيرة نورحقيقية، نعبر فيها بمواطنينا من ظلام الحروف المكسورة إلى كرامة المعرفة، من ذل التوقيع بالبصمة إلى شرف القراءة، من الخوف من الورقة والإدارة والعقد إلى القدرة على الفهم والاختيار والمشاركة. فالأمية ليست فقط عجزًا عن القراءة، بل هي سجن يومي للوعي والكرامة والحرية. وما لم تتحول محاربة الأمية إلى القضية الوطنية الأولى، فإن كل حديث عن الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية والثورة الرقمية سيبقى مجرد ثرثرة خطابية فوق أرضية من الهشاشة المعرفية. الأمة التي لا تقرألا تستطيع أن كتابة التاريخ، وتظل مجرد هامش فيه.

 

نبيل عادل، أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية

عضو المجلس الوطني للحركة الشعبية

 

تابعوني على وسائط التواصل الاجتماعي :

https://www.facebook.com/nabil.adel.18

 /https://www.facebook.com/nabiladelofficial

 /https://www.linkedin.com/in/nabil-adel-b9ba1612

 /https://www.instagram.com/nabiladel3