محمد براو: الجمع بين الأستاذية الجامعية والمحاماة.. المخاطر المحققة أكبر من المكاسب المحتملة

محمد براو: الجمع بين الأستاذية الجامعية والمحاماة.. المخاطر المحققة أكبر من المكاسب المحتملة محمد براو

يعود النقاش حول الجمع بين مهنة المحاماة والاشتغال كأستاذ جامعي إلى الواجهة كلما طُرحت أسئلة الحكامة الجامعية وجودة التكوين واستقلالية المؤسسة الأكاديمية. فهذه الوضعية المهنية المزدوجة لا يمكن اختزالها في كونها حرية شخصية، لأنها تمسّ مباشرة طبيعة الجامعة، ودورها في إنتاج المعرفة، وحدود علاقتها بالمحيط المهني.

أولاً: مخاطر تمس الاستقلالية والثقة المؤسسية

أحد أبرز المخاطر يتمثل في تآكل مبدأ الاستقلالية، ليس فقط في جوهره بل في صورته أيضاً. فحتى عندما لا يوجد تعارض فعلي في المصالح، قد ينشأ انطباع عام بأن الأستاذ الجامعي يستغل موقعه الأكاديمي لخدمة موقعه المهني كمحامٍ، أو العكس.

على سبيل المثال، في بعض السياقات المقارنة داخل أنظمة جامعية أوروبية، أُثيرت نقاشات حول أساتذة يشاركون في قضايا تحكيم أو استشارة قانونية مرتبطة بجهات سبق أن ناقشوا أو أشرفوا على أعمال علمية تخصها. ورغم عدم ثبوت مخالفات قانونية، إلا أن مجرد الشبهة كان كافياً لإثارة نقاش حول الحياد الأكاديمي.

هذا النوع من الحالات يُبرز ما يُعرف بـ"الاستقلالية في المظهر"، حيث لا يكفي أن يكون الأستاذ نزيهاً فعلاً، بل يجب أن يكون كذلك في إدراك المجتمع أيضاً. وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف الأساسية في الجمع بين المهنتين: هشاشة الثقة العامة عند ظهور تداخل في الأدوار.

ثانياً: ضغط التفرغ وأثره على جودة البحث العلمي

الخطر الثاني يرتبط بـتراجع التفرغ الأكاديمي. فالأستاذ الجامعي، في الأصل، ليس موظف تدريس فقط، بل باحث مطالب بالإنتاج العلمي المستمر، وتأطير الطلبة، والمشاركة في تطوير المعرفة.

في حالات كثيرة، خاصة في بعض الأنظمة التي تسمح بممارسة المحاماة دون قيود صارمة، يُلاحظ أن الأساتذة المنخرطين بكثافة في العمل المهني تكون إنتاجيتهم البحثية أقل انتظاماً. فعلى سبيل المثال، تشير بعض التقارير الأكاديمية في جامعات تعتمد نموذج "الأستاذ الممارس" إلى أن الأساتذة النشطين مهنياً خارج الجامعة ينشرون بوتيرة أقل، ويشاركون بشكل محدود في المشاريع البحثية طويلة المدى.

النتيجة المباشرة هي تحول جزئي في وظيفة الأستاذ من باحث إلى ممارس جزئي، مما ينعكس على جودة التكوين الجامعي نفسه.

ثالثاً: إشكالات التداخل واستغلال الموقع الأكاديمي

من المخاطر أيضاً صعوبة الفصل بين المجالين الأكاديمي والمهني. فقد يؤدي الجمع إلى حالات يُستثمر فيها الرصيد الأكاديمي في دعم السمعة المهنية داخل سوق المحاماة، أو العكس، أي توظيف الخبرة المهنية لتوجيه المسار الأكاديمي بشكل غير متوازن.

في بعض الحالات التي نوقشت في أدبيات الحكامة الجامعية، برزت مخاوف من أن بعض التعيينات أو الإشرافات العلمية قد تتأثر بعلاقات مهنية خارج الجامعة، وهو ما يهدد مبدأ تكافؤ الفرص داخل المؤسسة.

رابعاً: الحجج المؤيدة للجمع بين المهنتين

رغم هذه المخاطر، لا يمكن إغفال وجود حجج قوية لصالح الجمع بين المحاماة والأستاذية الجامعية.

أهم هذه الحجج أن الممارسة المهنية تُغني التكوين الأكاديمي. فالأستاذ المحامي يمتلك خبرة ميدانية مباشرة في القضاء والمرافعات، ما يسمح له بنقل أمثلة واقعية إلى الطلبة، وجعل الدروس أكثر ارتباطاً بالواقع.

فعلى سبيل المثال، في كليات الحقوق في بعض الدول، يُنظر إلى الأساتذة الممارسين للمحاماة على أنهم أكثر قدرة على شرح تطبيقات القانون المدني أو الجنائي، لأنهم يتعاملون يومياً مع ملفات حقيقية، وليس فقط مع النظريات.

كما يُقال إن هذا الجمع يعزز جسر الربط بين النظرية والتطبيق، ويمنع انفصال الجامعة عن الواقع المهني.

خامساً: تفنيد الحجج المؤيدة

لكن هذه الحجج، رغم وجاهتها، ليست مطلقة.

ففيما يتعلق بفكرة “إغناء التكوين”، يمكن الرد بأن الممارسة المهنية ليست شرطاً ضرورياً للجودة البيداغوجية. فهناك أساتذة متفرغون للبحث الأكاديمي بالكامل، ومع ذلك يقدمون تكويناً علمياً عالياً، بل أحياناً أكثر عمقاً من التكوين القائم على الخبرة فقط، لأنهم يشتغلون على تحليل بنيوي ونظري للقانون بعيداً عن ضغط الممارسة اليومية.

أما بخصوص جسر النظرية والتطبيق، فإن هذا الجسر يمكن تحقيقه عبر وسائل أخرى أقل كلفة على الاستقلالية، مثل:

-دعوة محامين ممارسين كخبراء زائرين

-تنظيم تدريبات ميدانية للطلبة

-أو شراكات مؤسساتية بين الجامعات والمهن القانونية

وبالتالي، فإن ربط جودة التكوين حصراً بممارسة الأستاذ للمحاماة يُعد تبسيطاً غير دقيق.

خلاصة

يتضح أن الجمع بين الأستاذية الجامعية والمحاماة قد يحمل مكاسب محتملة تتعلق بالخبرة العملية، لكنه في المقابل يطرح مخاطر بنيوية تمس الاستقلالية، والتفرغ العلمي، وثقة المجتمع في الجامعة.

والأرجح أن الإشكال لا يتعلق بالمنع أو الإباحة المطلقة، بل بقدرة المؤسسات الجامعية على وضع ضوابط صارمة تضمن ألا تتحول عملية الجمع بين المهنتين إلى عامل إضعاف لوظيفة الجامعة الأساسية: إنتاج المعرفة وتكوين الفكر النقدي

 

محمد براو

خبير دولي في الحكامة وباحث ومحاضر جامعي