سعيد التمسماني
في زمنٍ تتسع فيه الفجوة بين الخطاب السياسي وانتظارات الشباب، تبدو المبادرات القادرة على تحويل الفكرة إلى فعل، والطموح إلى مشروع ملموس، نادرة وذات دلالة خاصة. ومن هذا المنطلق، لم يكن إطلاق برنامج “تمكين 2.0” مجرد نشاط تنظيمي عابر داخل حزب الاستقلال، بل مؤشرًا على محاولة بناء مقاربة جديدة في التعاطي مع قضية الشباب، تقوم على الاستثمار في الكفاءة بدل استهلاك الشعارات.
اللقاء الذي احتضنه متحف محمد السادس لحضارة الماء، برئاسة نزار بركة، حمل في رمزيته أكثر من رسالة. فاختيار فضاء يرتبط بالحضارة والتنمية والاستدامة، ينسجم مع فلسفة البرنامج نفسه: إعداد جيل جديد يمتلك أدوات الفعل الاقتصادي والاجتماعي، وليس فقط أدوات التعبير والاحتجاج.
الرهان الحقيقي اليوم لم يعد يقتصر على إدماج الشباب في الحياة السياسية بصيغها التقليدية، بل في تمكينهم من القدرة على الإنتاج وخلق القيمة وتحويل الأفكار إلى مشاريع. وهنا تحديدًا يحاول “تمكين 2.0” أن يتموقع؛ باعتباره منصة للتأطير والمواكبة وربط الطاقات الشابة بعالم الاستثمار وريادة الأعمال، في لحظة وطنية أصبح فيها الاقتصاد الاجتماعي والتعادلية المجالية جزءًا من النقاش العمومي حول النموذج التنموي الجديد.
ما يلفت الانتباه في هذه المبادرة ليس فقط حجم الإقبال الذي عرفته، ولا عدد الكفاءات التي انخرطت في عمليات التأطير والمواكبة، بل الفلسفة التي تؤطر المشروع. فبدل تكريس ثقافة الانتظار أو الخطاب العدمي، يتم الدفع نحو ثقافة البديل والحل وروح المبادرة. وهي نقطة جوهرية تعكس تحولًا تدريجيًا داخل جزء من النخب الحزبية المغربية، التي بدأت تدرك أن معركة المستقبل لن تُحسم بالخطب، بل ببناء الإنسان المؤهل اقتصاديًا ومعرفيًا.
اللافت أيضًا أن البرنامج جمع بين طلبة الجامعات المغربية والدولية وشباب في بدايات مساراتهم المهنية، بما يعكس وعيًا بأن الرأسمال البشري المغربي، سواء داخل الوطن أو خارجه، يحتاج إلى فضاءات منظمة للتأطير والتشبيك وتبادل الخبرات. فالتنمية الحديثة لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات الكبرى، بل بقدرة المجتمع على إنتاج نخبه الاقتصادية الجديدة.
ولعل الرسالة السياسية الأعمق التي يحملها “تمكين 2.0” هي أن الأحزاب، إذا أرادت استعادة ثقة الأجيال الجديدة، مطالبة بالخروج من منطق التدبير الانتخابي الضيق نحو أدوار أكثر تأثيرًا في التكوين والتأهيل والمواكبة. فالشباب المغربي لم يعد يبحث فقط عن خطاب يلامس طموحه، بل عن مؤسسات تمنحه فرصة حقيقية للصعود الاجتماعي وتحقيق الذات.
إن المغرب الذي يطمح إلى تعزيز تنافسيته الاقتصادية وإرساء عدالة اجتماعية أوسع، يحتاج اليوم إلى مبادرات تُعيد الاعتبار لفكرة “التمكين” بمعناها العملي، لا كشعار استهلاكي، بل كسياسة لإنتاج الثقة والأمل والكفاءة. ومن هذه الزاوية، يبدو “تمكين 2.0” محاولة لتجسيد قناعة متنامية مفادها أن الاستثمار الأكثر ربحًا ليس في المشاريع فقط، بل في الإنسان القادر على صناعتها.