الحفل السنوي لتكريم قدماء المحاربين المغاربة بمنطقة ريكسهايم الفرنسية

الحفل السنوي لتكريم قدماء المحاربين المغاربة بمنطقة ريكسهايم الفرنسية جانب من اللقاء

في بلدة ليست كباقي البلدات، وغابة ليست كباقي الغابات، ونهر ليس كباقي الأنهار، نطق التاريخ فكان الحدث... إنها بلدة ريكسهايم الفرنسية، إحدى ساحات الوغى التي ما تزال تحفظ بين ثناياها ذاكرة حرب عالمية صنعتها تضحيات رجال كتبوا أسماءهم بمداد البطولة والفداء.


ويقف النصب التذكاري الخالد “ميموريال دو بون دو بوك” شامخا، شاهدا على عظمة الأمة المغربية وأصالة رجالاتها الذين سطروا صفحات مضيئة في معارك تحرير الألزاس خلال الحرب العالمية الثانية. وقد شُيّد هذا المعلم تخليدا للمعارك الضارية التي دارت أواخر سنة 1944 بغابة “هارت” قرب بلدة ريكسهايم ، بين القوات الألمانية النازية ووحدات الجيش الفرنسي التي ضمت عددا كبيرا من الجنود المغاربيين ، وعلى رأسهم الجنود المغاربة من فرقة الرماة ، حيث شكلت تلك المواجهات محطة حاسمة في حملة تحرير الألزاس ، وخاصة مدينة ميلوز وضواحيها.


وتظل هذه البلدة ، ومعها هذا النصب التاريخي ، شاهدا حيا على التضحيات الجسام التي قدمها الجنود المغاربة الذين سقط منهم المئات في معارك غابة “هارت”، وسط ظروف مناخية قاسية امتزج فيها برد الشتاء القارس وثلوج الألزاس بنيران المدافع والطائرات الحربية.

 

8a0c7231-912b-4894-a321-99c0e302c77d.PNG

 


ولا يرمز هذا النصب التذكاري فقط إلى معركة تحريرية فرنسية ألمانية ، بل ويجسد أيضا مساهمة الجنود القادمين من شمال إفريقيا ، وخاصة المغاربة في تحرير فرنسا وأوروبا من قبضة ألمانيا النازية. 

 

ولهذا السبب ، تحتضن البلدة سنويا مراسم تذكارية رسمية يحضرها ممثلون عن السلطات الفرنسية والمغربية إلى جانب فعاليات المجتمع المدني ، تأكيدا على الذاكرة المشتركة التي تجمع البلدين.


وتخليدا لهذه الذكرى التاريخية المجيدة ، احتضنت بلدة ريكسهايم ، صباح يوم الخميس 07 ماي 2026 ، حفلا تذكاريا جديدا بمحاذاة “ميموريال دو بون دو بوك”، بحضور شخصيات مدنية وعسكرية وفعاليات جمعوية فرنسية ومغربية.

 

وقد تقدمت الحضور شانتال أوفرلي ، رئيسة جمعية “الرين سوندغو”، التي أكدت في كلمتها أن هذا الحدث يشكل اعترافا صريحا من السلطات الفرنسية والمجتمع المدني الفرنسي بالتضحيات الجسام والدماء المغربية الطاهرة التي روت غابة "هارت" وجرت بها مياه نهر الراين . كما شددت على أن هذه الذكرى يجب أن تبقى حية في الوجدان الجماعي باعتبارها إرثا إنسانيا وتاريخيا غنيا بالدروس والعبر.


ومن جهته ، صرح  محمد باجيت رئيس جمعية “اتحاد المغاربة بشرق فرنسا”  بأن المغاربة المقيمين بفرنسا هم بشكل أو بآخر، أحفاد أولئك الجنود الأبطال الذين ساهموا في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي ، مؤكدا أنهم يعتبرون سفراء للمملكة المغربية ، وهو ما يفسر حرصهم السنوي على رفع العلم المغربي إلى جانب العلم الفرنسي، في صورة تجسد عمق الذاكرة المشتركة والتقدير المتبادل لتضحيات الجنود المغاربة الذين قدموا أرواحهم ثمنا لحرية فرنسا.


وأضاف أن هذا التكريم السنوي يكرس مكانة هؤلاء الأبطال في الذاكرة الجماعية الفرنسية المغربية، ويحمل رسائل قوية إلى الأجيال الصاعدة مفادها أن الحرية والاستقلال لا يتحققان إلا بتضحيات الرجال الذين وهبوا أنفسهم فداء للأوطان.


كما شهد الحفل حضور السيدة كاثرين بيشت ، عمدة مدينة ريكسهايم . وجون ماري بيبي، عمدة مدينة أوتمارسهايم، إضافة إلى السيناتور لودوفيك هاي ، إلى جانب عدد من الشخصيات المدنية والعسكرية الفرنسية.

 

7c4ea130-5f5e-4284-84a2-280f0ca47eb8.PNG

 


أما عن الجانب المغربي ، فقد حضرت جمعية “اتحاد الجمعيات المغربية بالألزاس لورين” ممثلة في رئيسها  عبد العزيز منار ، الذي قدم من مدينة ستراسبورغ للمشاركة في هذا الموعد السنوي ، كما تم تسجيل حضور السيدة زينب العبدلاوي معاني ، عضو المجلس البلدي بمدينة ريكسهايم المكلفة بالديمقراطية التشاركية .


واختُتم هذا الحفل المهيب ، الذي زينته الأعلام المغربية والفرنسية، بوضع إكليل من الزهور على النصب التذكاري ترحما على أرواح الجنود المغاربة الذين سقطوا في تلك المعركة التحريرية الفاصلة. وقد قُدم الإكليل من طرف  محمد باجيت رئيس جمعية “اتحاد المغاربة بشرق فرنسا” ، رفقة عضوين بارزين من الجمعية نفسها، وهما الدكتورة ابتسام بنسبع، و فتيحة الفرخ ، الموظفة بوزارة المالية الفرنسية.


واختتم اللقاء بحفل شاي ومشروبات بقاعة تابعة لبلدية ريكسهايم ، في أجواء طبعتها روح الصداقة الفرنسية المغربية ، وعرفانا بتضحيات الجنود المغاربة والفرنسيين الذين ساهموا في تحرير فرنسا وترسيخ قيم الحرية والسلام.