غزلان ازندور
ليست كل جريمة قتل تنتهي بالموت. هناك قتل آخر لا يحتاج إلى سلاح، ولا يترك جثة، ولا يسجل دائما في محاضر الشرطة أو تقارير الطب الشرعي. قتل يتم ببطء، داخل اللغة، والعادة، والنظرة، والصمت، والخوف، والتربية، والاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية. قتل لا ينهي الحياة البيولوجية للمرأة، لكنه يفرغ وجودها من معناه، ويجعلها حية بالجسد، منهكة في الروح، محاصرة في حقها في أن تكون ذاتا حرة وكاملة.
حين نطرح سؤال: بأي ذنب قتلت؟ فإننا لا نستدعي فقط صورة المرأة التي انتهت حياتها بفعل عنف مادي مباشر، بل نستدعي أيضا كل امرأة قتلت رمزيا ونفسيا واجتماعيا واقتصاديا. نستدعي الفتاة التي حرمت من الدراسة باسم الخوف عليها، والمرأة التي حوصرت في زواج لا يشبهها باسم الاستقرار، والعاملة التي أقصيت من فرصتها لأنها امرأة، والمطلقة التي عوقبت اجتماعيا لأنها اختارت النجاة، وغير المتزوجة التي حوكمت لأنها لم تدخل القالب الذي أعده لها المجتمع مسبقا.
إن القتل هنا ليس حدثا واحدا، بل مسار طويل من الإلغاء. يبدأ حين تربى الفتاة على أن جسدها ليس لها، وصوتها يجب أن يكون منخفضا، وطموحها يجب أن يبقى في حدود المقبول، وغضبها قلة أدب، ورفضها تمرد، وحريتها خطر على سمعة العائلة. هكذا لا تمنع المرأة فقط من فعل شيء، بل تمنع تدريجيا من الإحساس بأنها تملك الحق في الاختيار.
فالعادة، حين تتحول إلى سلطة، تصبح أخطر من القانون أحيانا. القانون يمكن مساءلته وتعديله وتغييره، أما العادة فتتسلل إلى اليومي، إلى اللغة، إلى الأمثال، إلى التربية، إلى نظرة الجيران، إلى أحكام الأقارب، إلى الخوف من “كلام الناس”. لذلك يكون أثرها عميقا لأنها لا تظهر دائما في شكل قمع مباشر، بل في شكل “نصيحة”، و“خوف”، و“حرص”، و“حكمة اجتماعية”. لكنها في العمق قد تتحول إلى آلية لتطويع النساء، وتطبيع الألم، وإقناع الضحية بأن معاناتها قدر طبيعي.
والمرأة لا تقتل فقط حين تسلب حياتها، بل تقتل حين تسلب كرامتها. تقتل حين تصبح مطالبة بأن تصبر أكثر مما ينبغي، وأن تغفر أكثر مما يحتمل القلب، وأن تتحمل باسم الأسرة، والسمعة، والأطفال، والعادات، بينما لا يطلب من الطرف الاخر سوى أن يكون كما هو. تقتل حين يصبح صمتها فضيلة، وخضوعها عقلا، واحتجاجها تهديدا للنظام الاجتماعي.
هنا يظهر البعد الأخطر: أن المجتمع لا يكتفي أحيانا بمراقبة المرأة، بل يطلب منها أن تشارك في مراقبة نفسها. أن تخاف قبل أن تتكلم، وأن تبرر قبل أن تختار، وأن تشعر بالذنب لمجرد أنها أرادت حياة تخصها. وهكذا يتحول القمع الخارجي إلى رقابة داخلية، وتصبح المرأة سجينة نظرة لا تفارقها، حتى في غياب الرقيب.
أما القتل النفسي، فهو ذلك الذي لا يترك أثرا ظاهرا، لكنه ينهك الذات من الداخل. يحدث حين تسمع المرأة باستمرار أنها ناقصة، أو متأخرة، أو فاشلة، أو سبب المشكلة، أو عبء على الأسرة، أو موضوع للشك. ومع تكرار هذه الرسائل، لا يعود العنف مجرد فعل يصدر من الخارج، بل يصبح جرحا في علاقتها بذاتها. تفقد ثقتها، وتراجع أحلامها، وتعتذر عن رغباتها، وتبدأ في الاعتقاد بأن أقل القليل هو ما تستحقه.
ولا يقل القتل الاقتصادي خطورة. فالمرأة التي تحرم من الاستقلال المادي، أو تدفع إلى الهشاشة، أو تستغل في عمل غير معترف به، أو تجبر على البقاء في علاقة مؤذية لأنها لا تملك موردا يحميها، تعيش شكلا آخر من أشكال القتل البطيء. فالكرامة لا تنفصل عن شروط العيش، والحرية لا تكون كاملة حين تكون المرأة مضطرة إلى الاختيار بين الإهانة والجوع، أو بين الصمت والتشرد، أو بين التبعية والنبذ.
لذلك، لا يمكن الحديث عن حقوق المرأة بمنطق الشفقة. فالمرأة لا تطلب امتيازا، ولا تبحث عن موقع استثنائي، بل تطالب بأن يعترف بها كإنسانة كاملة: لها عقل، وجسد، وإرادة، وحق في الخطأ، وحق في القرار، وحق في الرفض، وحق في بناء معنى حياتها. إن جوهر المسألة ليس أن “نحمي” المرأة بوصفها كائنًا ضعيفا، بل أن نحررها من البنيات التي جعلت ضعفها شرطًا اجتماعيا مفروضا عليها.
في المغرب، كما في غيره من المجتمعات، تحققت مكتسبات مهمة في مجال حقوق النساء، لكن السؤال الحقيقي لا يقف عند حدود النصوص التي بدورها تحتاج الى تنقيح. فالقانون قد يتغير، لكن الذهنيات قد تستمر في إنتاج نفس التراتبية. قد تعلن المساواة كمبدأ، بينما تظل المرأة تحاسب اجتماعيا على اختيارات لا يحاسب عليها الرجل. وقد ترفع شعارات الكرامة، بينما تظل الكرامة في الحياة اليومية قابلة للتفاوض حين يتعلق الأمر بالنساء.
إن سؤال: بأي ذنب قتلت؟ ليس سؤالا عن الجاني وحده. إنه سؤال عن الأسرة، والمدرسة، والإعلام، واللغة، والقانون، والمؤسسات، والعلاقات اليومية. سؤال عن مجتمع قد يدين العنف حين يصبح فاضحا، لكنه يتسامح مع مقدماته حين تكون عادية ومألوفة. فقبل العنف الصريح، هناك دائما عنف صغير، متكرر، ومقبول: نكتة مهينة، وصورة نمطية، وصمت، وتبرير، ولوم للضحية، وتطبيع مع الإهانة.
ولهذا فإن الدفاع عن حقوق المرأة ليس قضية نسائية فقط، بل قضية إنسانية وسياسية وأخلاقية. لأن المجتمع الذي تلغى فيه النساء لا يفقد النساء وحدهن، بل يفقد جزء من عدالته، ومن ذكائه، ومن قدرته على أن يكون مجتمعا كريما. وحين تقتل المرأة رمزيا، لا تموت وحدها؛ يموت معها معنى العدالة، ومعنى الحرية، ومعنى المواطنة.
بأي ذنب قتلت؟
ربما لأنها أرادت أن تكون ذاتا لا ظلا.
ربما لأنها رفضت أن تختصر في جسد، أو دور، أو لقب، أو وظيفة اجتماعية جاهزة.
ربما لأنها طالبت بأن تكون الحياة أكثر من مجرد بقاء، وأن تكون الكرامة أكثر من مجرد كلمة جميلة في الخطابات.
لكن الحقيقة الأعمق أن ذنبها ليس ذنبا. ذنبها، في نظر مجتمع مرتبك أمام حرية النساء، أنها أرادت أن تكون إنسانة كاملة. ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية: أن ننتقل من مجتمع يسمح للمرأة بالبقاء، إلى مجتمع يعترف لها بالوجود.