أسفي.. هكذا خلّد "أنخيل بيستانيا" السلطان محمد الخامس قائد معركة الاستقلال على صهوة جواده الحلقة (5)

أسفي.. هكذا خلّد "أنخيل بيستانيا" السلطان محمد الخامس قائد معركة الاستقلال على صهوة جواده الحلقة (5) النملي يتوسط المبدع الإسباني ومجسم السلطان

تتقاسم جريدة "أنفاس بريس" الحلقة الخامسة/الأخيرة من بحث الأستاذ عبد الله النملي حول النموذج الفني الناجح العابر للحدود، حيث أوضح بأن المغاربة لم يتعودوا على "رؤية التماثيل التي تجسد شخصيات طبعت تاريخ الوطن، لكن وسط بهو قصر بلدية مدينة آسفي، يُوجد تمثال ضخم أبيض، في غاية الجمال والإبداع، نُفذ بدقة تشريحية عالية، يجسد السلطان محمد الخامس، جد الملك محمد السادس، وهو يمتطي صهوة جواد عربي، بلباس مغربي أصيل (السَّلْهَامْ)، يمسك بيده اليسرى لجام الفرس، ويمناه مبسوطة تحيي الجماهير".

ويُعد هذا التمثال، الفريد من نوعه بالمغرب ـ حسب عبد الله النملي ـ من أبرز الأعمال "النحتية المُذهلة التي أنجزها الفنان الإسباني الراحل "أنخيل بيستانيا Angel Pestaña" سنة 1963. وشارك في هذا العمل عدد من تلامذته المغاربة". في سياق متصل استأنس الباحث برواية تؤكد أن المبدع الفنان "بيستانيا"، الذي ولد بتاريخ 12/3/1932 بمدريد ووافته المنية بتاريخ 3/10/1999 كان قد "استقر بآسفي وأحب المدينة وتأثر بأجوائها الفنية وبها أنجب أبناءه الثلاثة". حيث استعان في إنجاز عمله الفني بـ "صور فوتوغرافية دقيقة للملك الراحل محمد الخامس، وبخيول حقيقية في منطقة عبدة كانت تُجلب له ليدرس تشريحها العضلي أثناء الحركة" فجاء الحصان في التمثال ممتلئاً وقوياً، وهو ما يعكس قوة "الْخَيْلْ الْعَبْدِي".

مُنظر ومجدد للفن:

الفنان المبدع "بيستانيا" كان متأثراً بمدرسة "تالافيرا دي لا رينا" (Talavera de la Reina) الإسبانية الشهيرة بالخزف. وتعد هذه المدرسة إرثاً أندلسياً أصيلاً امتزج بالتأثيرات الإيطالية، وتتميز بزخارفها الدقيقة، وألوانها الزاهية، وتقنيات التزجيج المتقدمة. وتمتاز بالتصاميم الهندسية، والمشاهد التصويرية الدقيقة. نقل من هذه المدرسة تقنية "الرسم فوق الصقيل"، لكنه طوعها لتناسب الزخارف المغربية (التوريق والتشبيك). هذا المزيج، هو ما جعل قطع "مدرسة آسفي" في عهده تبدو وكأنها لوحات زيتية مرسومة على الفخار.

استطاع هذا الفنان الإسباني أن يغرس "الجينات الأكاديمية" في الطين الآسفي. كان يؤمن بأن الخزفي المغربي يمتلك "غريزة" فنية فطرية، لكنه يحتاج إلى "العلم". لذلك أدخل دروساً كانت تعتبر ثورية لتلاميذه مثل الهندسة الوصفية، حيث جعل تلامذته يحولون الرسم من ورقة مسطحة (2D) إلى جرة دائرية (3D)، دون أن تختل أبعاد الزخرفة.

قبل وجود المدرسة، كان خزف آسفي يعتمد على التقنيات المتوارثة. عندما بدأ "بيستانيا" تدريس كيمياء الألوان وتقنيات النحت، ويشرف بنفسه على تركيبات الأكاسيد المعدنية للحصول على ألوان لم تكن معروفة في آسفي، تسلل خريجو المدرسة إلى ورشات حي الشعبة، حاملين معهم "الوصفات السرية" للألوان التي طورها. وبدأ الحرفيون في الحي يقلدون هذه الأصباغ للحصول على ألوان ثابتة ولامعة، ومحاكاة الأشكال الهندسية والنحوت التي كانت تُنتج في المدرسة، كدمج النحت بالخزف (تحويل الجرة إلى قطعة منحوتة).

إذا زرت متاحف المغرب، ستجد قسماً مخصصاً لفترة "الحماية" أو "التجديد الفني" يتحدث عن تقنية القولبة في الخزف المرتبطة بالفنان الإسباني "بيستانيا"، وهي وسيلة إنتاج وتشكيل للطين باستخدام قوالب للحصول على أشكال متسقة يصعب تنفيذها يدويًا. تتميز بإنتاجية عالية وموثوقية في التكرار، سمحت بإنتاج قطع معقدة الأشكال مثل المزهريات الضخمة (Les Vases de Prestige) التي تتميز بمقابض منحوتة على شكل كائنات أسطورية أو حيوانات، وكذلك الأطباق الجدارية التي تصور مشاهد طبيعية، وهي تقنية رسم طورها مع تلاميذه، والتي لا تزال تُستخدم في ورشات آسفي حتى اليوم.

أعمال "بيستانيا"، وبحكم قيمتها التاريخية، توزعت بين المتاحف الوطنية والدولية والمجموعات الخاصة (Collectors)، حيث تعتبر القطع الموقعة من مدرسة آسفي في فترة "بيستانيا" و"العملي" من أثمن القطع في سوق الفن. ونادرا ما تظهر في مزادات الفن بمراكش والدار البيضاء وغيرها، ويبحث عنها الهواة كتحف فريدة لأنها تمثل "عصر النهضة الخزفية" في المغرب.

تحويل الحي إلى مزار سياحي وفني:

بفضل الإشعاع الذي حققته المدرسة تحت إدارة "بيستانيا"، بدأت البعثات الأجنبية والزوار يقصدون آسفي ليس فقط لشراء الأواني، بل لمشاهدة عملية الإبداع. هذا الأمر جعل الحرفيين يدركون قيمة عملهم كـ "فن" وليس فقط كـ "صناعة". بدأت الورشات تهتم بالعرض الجمالي للقطع، وظهرت المزهريات الضخمة التي تزين مداخل البيوت والقصور، مستوحاة من القطع التي كان "بيستانيا" يشرف على نحتها.

 

سياسة "التقارب الفني" الإسبانية:

أُنتجت عدة أفلام وثائقية عن "تل الخزف" بآسفي، وفي كثير منها يظهر "المعلمين" الكبار وهم يتحدثون عن "الرومية" (المدرسة)، وكيف نقل لهم الأساتذة الأجانب (بيستانيا والعملي) أسرار النحت والقياسات.

إذا كنت ترغب في مادة توثيقية حية، فإن الأرشيف الدبلوماسي الإسباني، أو أرشيف معهد سيرفانتيس (Instituto Cervantes) في المغرب، أو أرشيف وزارة الصناعة التقليدية بالمغرب، أو أرشيف عائلته التي زارت آسفي في شهر أبريل 2026، ربما تجد وثائق وتحف نادرة عن "بيستانيا"، لم نستطع الوصول إليها، كونه كان مبعوثاً فنياً يمثل الثقافة الإسبانية في تلك الحقبة.

وهذا يضعنا أمام فهم أعمق للعلاقة المعقدة والثرية بين المغرب وإسبانيا في النصف الأول من القرن العشرين، وبعد الاستقلال، وتحديداً في منطقة "النفوذ" التي لم تقتصر على السياسة بل امتدت للفنون، حيث نهجت إسبانيا سياسة تعتمد على "القوة الناعمة" من خلال الفنون. كان إرسال أو حضور فنان أكاديمي مثل "بيستانيا" إلى آسفي (الواقعة في منطقة النفوذ الفرنسي آنذاك)، خطوة لتعزيز الحضور الثقافي الإسباني. كان الهدف هو إثبات أن المدرسة الإسبانية في الخزف (مثل مدرسة تالافيرا) هي الأجدر بتطوير هذا الفن في المغرب نظراً للجذور الأندلسية المشتركة.

 

الفنان "بيستانيا" سفير جمالي:

لم يكن "بيستانيا" مجرد موظف، بل كان يمثل الأكاديمية الإسبانية كمبعوث فني لتمثيل الثقافة الإسبانية وتطوير الصناعات الفنية في المغرب. وتجلى ذلك في:

ـ نقل التقنيات الإيبيرية:

أدخل تقنيات "الكياروسكورو" (التضاد بين الضوء والظلال) في الرسم على الخزف، وهي ميزة كانت تشتهر بها الفنون الإسبانية في تلك الحقبة.

ـ التنظيم الإداري:

طبق نظام "الورشات الفنية" المعمول به في إسبانيا، والذي يجمع بين الأستاذ والمساعدين في علاقة هرمية تضمن دقة الإنتاج.

 

التنسيق مع القنصلية والمؤسسات الإسبانية:

كان على تواصل دائم مع الدوائر الثقافية الإسبانية في المغرب (خاصة في طنجة وتطوان وأكادير..). تشير بعض الروايات الشفوية إلى أن:

ـ أعمال مدرسة آسفي تحت إدارته كانت تُعرض في المعارض التي تنظمها إسبانيا للتعريف بالفنون "المغربية - الأندلسية".

 

ـ كان يلعب دوراً في اختيار القطع التي تُهدى للشخصيات الدبلوماسية، مما جعل من خزف آسفي "بروتوكولاً" دبلوماسياً يجمع بين الصنعة المغربية واللمسة الإسبانية.

 

صراع الهويات الفنية (إسبانيا ـ فرنسا):

وجود "بيستانيا" (الإسباني) في مدينة خضعت للإدارة الفرنسية (آسفي) خلق نوعاً من المنافسة الفنية:

ـ فرنسا كانت تدفع باتجاه "تحديث" الخزف ليصبح تجارياً وتصديرياً.

ـ "بيستانيا"، كمبعوث فني إسباني، كان يميل أكثر نحو "الأكاديمية والنحت الكلاسيكي والعصري"، مما أعطى لخزف آسفي شخصية "أرستقراطية" تميزه عن خزف المدن الأخرى.

 التعاون الفني العابر للحدود:

تعتبر المؤسسات الثقافية الإسبانية في المغرب اليوم أن تجربة "بيستانيا" في آسفي هي واحدة من أنجح نماذج "التعاون الفني العابر للحدود". هو لم يفرض ثقافة غريبة، بل بحث في الطين المغربي عن "الجذور الإسبانية" وأعاد إحياءها بروح عصرية مغربية، بعد هجرة الأندلسيين، الذين استقروا بفاس وتطوان وآسفي، وتخصصوا في هذه الحرفة.

 

نقطـة نظـام..

لعل تخصيص معرض سنوي، أو ملتقى باسمه، أو "جائزة بيستانيا للخزف الفني"، أوفضاء تجاريا للخزف باسمه وغيره، ضمن فعاليات شهر التراث التي دأبت الوزارة على تنظيمها سنويا، تثمينا للموروث الحضاري وتعدد روافده، بتعاون مع شركاء المتحف الوطني للخزف من المجتمع المدني، على غرار مئوية معلم الخزف بوجمعة العملي سنة 2021 الذي سبق الاحتفاء به، يمكن أن يحقق مكاسب كبيرة لمدينة آسفي، منها:

1 ـ ربط الماضي بالحاضر:

هذه الفعاليات الثقافية ستكون فرصة لعرض القطع الخزفية التاريخية المفقودة التي أشرف عليها "بيستانيا" بجانب أعمال الحرفيين الشباب المعاصرين، مما يظهر كيف تطورت "البذرة" الأكاديمية التي زرعها لتصبح "غابة" من الإبداع في حي الشعبة وتل الخزف.

2 ـ تعزيز السياحة الثقافية وتشجيع "الخزف التشكيلي":

اسم "بيستانيا" بجذوره الإسبانية، يمكن أن يجذب اهتماماً دولياً، خاصة من إسبانيا وأوروبا. هذا النوع من المعارض والملتقيات يحول آسفي من مجرد مركز إنتاج إلى وجهة فنية عالمية يقصدها النقاد وعشاق الفن، وليس فقط الباحثين عن الأواني المنزلية. "بيستانيا" كان مهتماً بالنحت، والمعرض أو الفعاليات التي تحمل اسمه يمكن أن تخصص جوائز لـ "النحت على الطين"، وهو تخصص يتطلب مهارة عالية، مما يشجع الجيل الجديد على الابتكار وتجاوز الأشكال التقليدية.

3 ـ توطيد العلاقات الدبلوماسية الثقافية:

تنظيم فعاليات بهذا الإسم، يمكن أن يتم بالتعاون مع معهد "سيرفانتيس" والسفارة الإسبانية بالمغرب، في إطار البرنامج السنوي للأنشطة الثقافية الإسبانية في المغرب. هذه الأنشطة ستستفيد من العلاقات الثنائية المتميزة بين البلدين، مما يوفر دعماً لوجستياً وفنياً لأي تظاهرة، ويفتح آفاقاً لتبادل الخبرات بين خزفيي آسفي وخزفيي المدن الإسبانية العريقة (مثل طليطلة وتالافيرا). وسيكون ذلك بمثابة الاحتفاء بالتنوع الثقافي وتثمين فن الخزف كلغة كونية تتجاوز الحدود.

4 ـ مفهوم "الهوية التعددية":

المغرب يتبنى حالياً فلسفة أن الهوية المغربية هي "روافد". فكما أن هناك الرافد الأندلسي، الإفريقي، واليهودي وغيره، فإن البصمة الأكاديمية الأوروبية (الإسبانية والفرنسية) في الفنون والصناعة التقليدية تُعتبر جزءاً من هذا الغنى. "بيستانيا" لم يُنظر إليه كـ "دخيل"، بل كفنان انصهر في طين آسفي ليخرج منه أجمل ما فيه.

كيف نواجه ظلام الغياب بنور الوفاء؟

المتحف الوطني للخزف بآسفي اليوم، لا يعرض فقط "أواني"، بل يعرض "تاريخ فكر". عندما تجد جناحاً يتحدث عن فترة التأسيس الأكاديمي، فأنت تقرأ اعترافاً صريحاً بأن النهضة التي عرفتها المدينة في القرن العشرين كانت ثمرة تعاون وطني ودولي قاده رجال مثل "بيستانيا".

في ذاكرة المغرب ومذكراته، رجال صنعوا التاريخ ومضوا. الموت حق، لكن الواجب الأخلاقي والوطني يملي علينا أن نقاوم ظلام الغياب الصعب بنور الوفاء. ومن أمثال هؤلاء الأعلام الكبار المنسيين، الفنان الإّسباني البارز "أنخيل بيستانيا".

إن بقاء اسم هذا الفنان الإسباني حياً في ذاكرة حرفيي الخزف بآسفي، بعد 27 سنة عن رحيله، هو أكبر دليل على أن الفن لا يعرف حدوداً جغرافية. "بيستانيا" قدم لآسفي "المنهج"، وآسفي قدمت له "الروح"، وخلدت اسمه في قلوب "المعلمين" الذين لا يزالون، حتى اليوم، يفتخرون بأن "قواعد الرومي" (الأكاديمية) هي التي منحت خزفهم تلك الهيبة العالمية.

وحتى يعاد الاعتبار لهذا المبدع، المجدد لخزف آسفي، لأنه نسي كما تنسى وثيقة نادرة في إضبارة مهملة، أقترح تسمية شارع أو ساحة أو مؤسسة ثقافية أو تعليمية أو فضاء تجاري للخزف وغيره باسمه، وجمع تراث الراحل وتحفه الفنية الضائعة ووسائل عمله من قوالب وغيرها، وإنجاز فيلم وثائقي عن الراحل، تكريما لروحه بوصفه أحد رواد نهضة خزف آسفي، يوثق لمجمل مراحل حياته، ويعرف الأجيال الحالية بأحد الفنانين والنحاتين الكبار لخزف آسفي، الذي بوأ المدينة الصدارة وطنيا ودوليا.

انتهى