تتجه الأنظار إلى العاصمة الكينية نيروبي، حيث تعقد قمة «إفريقيا إلى الأمام» بمشاركة فرنسية إفريقية واسعة، في لحظة تبدو فيها باريس حريصة على إعادة صياغة علاقتها بالقارة السمراء، بعيدًا عن الإرث السياسي التقليدي، وباتجاه شراكات اقتصادية أكثر عملية وربحية للطرفين.
فبعد سنوات من تراجع النفوذ الفرنسي في عدد من دول غرب إفريقيا، وصعود منافسين دوليين وإقليميين مثل الصين وروسيا وتركيا ودول الخليج، تحاول فرنسا اليوم فتح صفحة جديدة عنوانها الاستثمار، التكنولوجيا، الطاقة، الابتكار، وتمويل المشاريع التنموية.
اختيار كينيا لاستضافة القمة ليس تفصيلًا عابرًا. فهي دولة ناطقة بالإنجليزية وليست من المستعمرات الفرنسية السابقة، ما يعكس رغبة باريس في توسيع حضورها خارج دائرتها التقليدية في إفريقيا الفرنكوفونية. كما أن نيروبي أصبحت خلال السنوات الأخيرة مركزًا إقليميًا مهمًا للأعمال والشركات الناشئة والاستثمارات، الأمر الذي يجعلها منصة مناسبة لعودة فرنسية بطابع اقتصادي لا سياسي.
وتدخل فرنسا هذه القمة وهي تمتلك حضورًا اقتصاديًا معتبرًا في القارة، إذ تُعد رابع أكبر مستثمر في إفريقيا، مع تجارة تجاوزت 65 مليار يورو خلال عام 2024، واستثمارات بلغت نحو 52 مليار يورو. كما توسع عدد فروع الشركات الفرنسية في القارة خلال السنوات الماضية، ما ساهم في خلق مئات الآلاف من الوظائف المباشرة.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل تكفي الأرقام لاستعادة النفوذ؟
الإجابة ليست سهلة. فإفريقيا اليوم لم تعد تقبل بعلاقات قائمة على الوصاية أو الامتيازات التاريخية، بل تبحث عن شركاء يقدمون قيمة حقيقية: تمويلًا عادلًا، نقلًا للتكنولوجيا، فرص عمل، دعمًا للمؤسسات المحلية، ومشروعات قابلة للتنفيذ. لذلك، فإن نجاح فرنسا في هذه العودة لن يُقاس بحجم التعهدات المعلنة فقط، بل بقدرتها على تحويل الوعود إلى مشاريع ملموسة يشعر بها المواطن الإفريقي.
القمة تأتي أيضًا في توقيت حساس بالنسبة لباريس، بعد انسحاب أو تراجع حضورها في دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر. ومن هنا تبدو كينيا وشرق إفريقيا بوابة جديدة لتعويض جزء من الخسائر السياسية والاقتصادية في الغرب الإفريقي، وبناء نفوذ أكثر مرونة يعتمد على القطاع الخاص بدلًا من العلاقات السياسية القديمة.
ومن الواضح أن فرنسا تسعى إلى تقديم نفسها هذه المرة كشريك استثماري وتكنولوجي، لا كقوة استعمارية سابقة. ولهذا تركّز القمة على الشباب، ريادة الأعمال، الطاقة، المناخ، والابتكار، وهي ملفات تمثل أولوية متزايدة لدول القارة التي تبحث عن تنمية مستدامة وشراكات متوازنة.
في المقابل، تملك إفريقيا اليوم هامشًا أوسع للمناورة. تعدد الشركاء يمنح الحكومات الإفريقية قدرة أكبر على التفاوض، واختيار العروض الأفضل. ولذلك فإن باريس لن تستعيد مكانتها بمجرد إعلان «استثمارات طائلة»، بل عبر احترام أولويات الدول الإفريقية، وتمكين الشركات المحلية، وتوفير شراكات عادلة لا تكرر أنماط الماضي.
قمة نيروبي قد تكون بداية مسار جديد في العلاقات الفرنسية الإفريقية، لكنها ليست ضمانة للنجاح. ففرنسا أمام اختبار حقيقي: إما أن تثبت أنها قادرة على بناء علاقة اقتصادية متوازنة مع إفريقيا الجديدة، أو تبقى محاولتها مجرد خطوة دبلوماسية أخرى في سباق دولي محتدم على فرص القارة.