جداريات تاريخية
عندما علم الأستاذ الباحث المهتم بتراث ذاكرة الواليدية بأن السفارة الهولندية بالمغرب من بين المنظمين لمهرجان الوليدية لفن الشارع عمل على تجسيد فكرتين:
أولا: رد الإعتبار للعلاقات المغربية الهولندية من خلال رسم جداريات تجسد جانبا من العلاقة التاريخية، خاصة في عهد السلطانيين السعديين زيدان بن أحمد المنصور وابنه الوليد بن زيدان الذي تنسب إليه مدينة الوليدية.
ثانيا: تخليد اليوم العالمي للتراث 2026، وذلك برد الإعتبار للتراث المحلي للوليدية. واعتبار التواجد الهولندي بالوليدية جانبا من التراث المحلي من خلال ما ساهموا في إنجازه من قصبة الوليدية، ومرسى الوليدية، وتوسيع باب المدخل الكبير لمياه البحر من المحيط إلى البحيرة، ولكونه مدخلا للمرسى.
واذا كانت الفكرة الأولى لم ترى النور في الواقع لأسباب يعود اغلبها إلى نقص في مشاركته في الإعداد والتنسيق، فإن الفكرة الثانية عرفت تجسيدا رمزيا على أرض الواقع.
في هذا السياق يقول محمد وفقي"اليوم سأتحدث باختصار عن الفكرة الأولى والجداريات التي أعددت صورا لها قصد رسمها لتشكل في مجملها معرضا يجسد جانبا من التواجد الهولندي بالوليدية.".
الجداريات كانت عبارة عن ثلاث صور مذيلة بتعريف موجز بها:
- صورة لسامويل بالاش سفير الدولة السعدية بهولندا، ومهندس العلاقة المغربية الهولندية:
وهو بالمناسبة من مواليد مدينة فاس حوالي عام 1550، لأسرة يهودية من أصول أندلسية استقرت في المغرب بعد طردهم من إسبانيا (الموريسكيون واليهود السفارديم). نشأ في بيئة تجمع بين الثقافة المغربية والوعي بالأوضاع الأوروبية، مما جعله يتقن لغات متعددة ويبرع في فنون التجارة والملاحة.
2 - دوره الدبلوماسي (سفير المغرب في هولندا):
عُين بالاش سفيراً للسلطان السعدي لدى "جمهورية هولندا الناشئة" في أوائل القرن السابع عشر. وتبرز أهميته في النقاط التالية:
• معاهدة 1610: لعب دوراً محورياً في إبرام معاهدة الصداقة والتجارة بين المغرب وهولندا عام 1610، وهي واحدة من أوائل المعاهدات التي وقعتها هولندا مع دولة غير مسيحية.
• التحالف ضد إسبانيا: كان الهدف الأساسي من سفارته هو بناء تحالف استراتيجي ضد العدو المشترك (إسبانيا). سعى لجلب الأسلحة والسفن من هولندا مقابل منحهم امتيازات تجارية في الموانئ المغربية.
• الوساطة الدولية: لم يكن مجرد سفير، بل كان وسيطاً تجارياً واستخباراتياً يزود البلاط السعدي بمعلومات دقيقة عن التحركات السياسية في أوروبا.
3 - "السفير القرصان":
ارتبط اسم بالاش بلقب "السفير القرصان"؛ لأنه كان يمارس "القرصنة المشرعنة" (أو ما يعرف بالجهاد البحري) ضد السفن الإسبانية بتفويض من السلطان المغربي وبدعم مستتر من الهولنديين.
في عام 1614، تم اعتقاله في إنجلترا بتهمة القرصنة بعد أن اضطر للرسو في ميناء إنجليزي بسبب عاصفة، لكن أفرج عنه بفضل تدخل السفارة الهولندية، مؤكدين أنه يعمل بصفة دبلوماسية رسمية للملك المغربي.
4 - وفاته وإرثه:
توفي صامويل بالاش في أمستردام عام 1616. حظي بجنازة مهيبة حضرها الأمير "موريس أوف ناسو" (حاكم هولندا آنذاك) وكبار الشخصيات الهولندية، ودُفن في المقبرة البرتغالية "بيت حاييم" قرب أمستردام.
- صورة لمراد رايس الهولندي الذي حكم الوليدية بتعيين من السلطان السعدي :
مراد رايس (اجان جانزون فان هارلم 1575 - 1641) المولود باسم يانسن فان هارلام)، وهو قائد بحري من أصول هولندية اعتنق الإسلام وتدرج في صفوف الأسطول العثماني في الجزائر وتونس، قبل أن يستقر في مدينة سلا المغربية .
ويُبرز هذا الرسم شخصية فذة جمعت بين مهارة البحارة الأوروبيين وشجاعة المجاهدين المسلمين، وقد ساهم بشكل كبير في تأسيس ما عُرف بـ "جمهورية سلا" (التي شملت الوليدية) وكان أحد حكامها البارزين، كما عينه السلطان السعدي حاكما على الوليدية، ويذكر عنه أنه وسع نطاق الجهاد البحري من غرب المتوسط إلى شمال المحيط الأطلسي، واشتهر بغزواته التي وصلت إلى سواحل أيسلندا وأيرلندا.
- لوحة فنية بواسطة الذكاء الاصطناعي تجسد قدوم ابنة مراد رايس لزيارته بالوليدية وطلبها إياه بمرافقتها الى هولندا لكنه رفض.
من الأسماء التي خلدتها ذاكرة قصبة الوليدية يذكر المؤرخون والباحثون إسم "مُرَادْ رَّايْسْ" وهو الإسم الأصلي للقرصان الهولندي "JAN HANSZOON VAN HAARLEM"، ـ جان جانزون فان هارلم ـ الذي توصف أعماله من طرف الغربيين بالقرصنة. وحسب ما أورد الباحث مصطفى بوصوف في إحدى مقالاته، فإن "مُرَادْ رَّايْسْ" كان مجاهدا في الجيش العثماني بعد إعلان إسلامه بالجزائر، ومن ثمة انتقل إلى المغرب بسلا.
وهو في عقده السابع سيعود "مُرَادْ رَّايْسْ" إلى المغرب وتحديدا سنة 1640، "مثقلا بتجارب سنوات عديدة، حيث سيقوم السلطان المغربي بتعيينه حاكما لمنطقة الوليدية ويسكن قلعتها". وفي أكتوبر من العام نفسه، سيحل قنصل هولندا الجديد على جمهورية بورقراق سائلا عن "مُرَادْ رَّايْسْ"، حاملا معه ضيفا عزيزا على ـ جان جانزون فان هارلم ـ أي "مُرَادْ رَّايْسْ" ولم يكن الضيف إلا ابنته ليزبيث المزدادة عام 1596، من زوجته الهولندية الأولى.
عندما دخلت ليزبيث على أبيها "مُرَادْ رَّايْسْ" بمقر إقامته بقصبة الوليدية وجدته "جالسا على أرائك ووسائد من حرير، ومحاطا بالخدم وكل مظاهر الغنى...لكن ابنته ليزبيث ستغادر القلعة في غشت من سنة 1641، بعدما اختار والدها البقاء في مغرب احتضنه ورفعه إلى أعلى مراتب الدولة واحترامه في مشيبه، وخصه بكل مظاهر الاحترام والوفاء".
ومن المعلوم أن الهولنديين ما زالوا يحتفظون ويفتخرون بكون "مُرَادْ رَّايْسْ" (جان جوهانسون) وليد مدينة "هارليم HARLEEM " والذي نشر الرعب في بحر الأبيض المتوسط بسبب عمليات القرصنة، حيث قضى سبع سنوات أميرال البحر على مدينة سلا، وانتهت مسيرته بحكمه لقصبة الوليدية طيلة سنتي 1640 و 1641.