أحمد الريسوني يتوسط الصادق العماني ووزير الأوقاف أحمد التوفيق (يسارا)
تتبعتُ منذ سنوات ما يكتبه أحمد الريسوني في اتجاه نقد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، وتوجيه سهام الاعتراض إلى معالي وزير الأوقاف الدكتور أحمد التوفيق، غير أن ما يستوقف اليوم ليس مجرد اختلاف في الرأي أو تباين في التقدير حول بعض السياسات التدبيرية، بل هو ما تضمنه مقاله الأخير المنشور اليوم في موقع “إطلالة بريس”، ضمن خانة الرأي، من خطاب يتسم بنبرة حادة، أقرب إلى التهكم الشعبوي، على خلفية قرار إداري يتعلق بإيقاف أحد خطباء الجمعة بمدينة الرباط .
وهنا يبرز سؤال جوهري يتجاوز الواقعة الجزئية إلى الإطار العام: هل نحن أمام نقد علمي مؤسسي من داخل التصور المقاصدي، أم أمام خطاب يُعيد إنتاج منطق الخصومة عبر توظيف المفاهيم الشرعية في سياق تعبوي؟
إن المقال المذكور، في جوهره، لا يقف عند حدود مناقشة قرار إداري أو مساءلة تدبيرية لوزارة الأوقاف، بل يتجاوزه إلى بناء ثنائية حادة في الوعي الديني المغربي، تقوم على تقسيم العلماء والخطباء إلى “علماء أحرار محررين” من جهة، و”علماء خاضعين مستلبين” من جهة أخرى، وكأن كل من بقي داخل المؤسسات العلمية الرسمية فاقد للكرامة والاستقلال، وكل من خرج عنها أصبح تلقائيا وارثا للحق المطلق ولسانَ الشريعة الناطق. وهذه المقاربة في حقيقتها ليست مقاربة علمية مقاصدية، بل هي خطاب تعبوي عاطفي، يختزل تعقيدات تدبير الشأن الديني في منطق الصراع السياسي، ويغفل طبيعة الدولة المغربية واختياراتها التاريخية في حماية الأمن الروحي للمجتمع.
إن أول ما يلفت النظر في هذا المقال هو هذا التوظيف المكثف للمظلومية، حيث يحاول أحمد الريسوني تصوير الوزارة وكأنها جهاز قمعي غايته الأساسية مطاردة الخطباء وملاحقة الضمائر، بينما يغيب تماما أي حديث عن مسؤولية الدولة في حماية المنابر من التوظيف الحزبي والإيديولوجي، أو عن واجبها الشرعي والدستوري في صيانة وحدة المرجعية الدينية للمغاربة. وهذا تغييب مقصود أو غير مقصود لمقصد عظيم من مقاصد الشريعة، وهو مقصد حفظ الجماعة ووحدة الأمة ومنع أسباب الفتنة والانقسام.
فالخطبة في الإسلام ليست ملكا شخصيا للخطيب، وليست منصة حرة لكل الآراء والتجاذبات، وإنما هي وظيفة دينية عامة مرتبطة بالمصلحة العامة للأمة، ولذلك اتفق الفقهاء عبر القرون على أن للإمام أو ولي الأمر حق الإشراف على المنابر وتنظيمها، لأن المنبر ليس فضاء فرديا بل مؤسسة عمومية ذات تأثير مباشر على الأمن الفكري والديني والاجتماعي. وقد مارس الخلفاء والسلاطين والعلماء هذا التنظيم عبر التاريخ الإسلامي دون أن يعتبر ذلك استبدادا أو قهرا للعقيدة.
بل إن الفقه الإسلامي نفسه مليء بالنصوص التي تحذر من ترك المجال الديني دون ضوابط، لأن الفوضى في الدين أخطر من الفوضى في السياسة. وإذا كان الطبيب يمنع من مزاولة المهنة حين يخل بأصولها، والمحامي يعاقب إذا أخل بأخلاقيات المهنة، فكيف يُستنكر على الدولة أن تعفي خطيبا إذا خالف الضوابط المؤطرة لمنبر الجمعة، وهو المنبر الذي يخاطب آلاف الناس في قضايا العقيدة والسلوك والوطن والأمة؟
ثم إن المقال يحمل تناقضا داخليا واضحا؛ فالكاتب أحمد الريسوني يندد بقرارات التوقيف ويصفها بالإهانة والاستبداد، لكنه في الوقت نفسه يعتبرها “تحريرا” للخطباء ونعمة مقاصدية تؤسس “كتلة العلماء المستقلين”. فهل التوقيف ظلم أم تحرير؟ وهل الوزارة مستبدة أم أنها ـ من حيث لا تدري ـ تقدم خدمة للمشروع الذي يدافع عنه الريسوني؟ هذا التناقض يكشف أن المقال لا ينطلق من قراءة مقاصدية علمية متوازنة، بل من خصومة مسبقة مع الوزارة ومع الوزير شخصيا.
كما أن وصف العلماء العاملين داخل المؤسسة الرسمية بأنهم واقعون تحت “الآصار والأغلال” يحمل إساءة ضمنية لمئات العلماء والخطباء والأئمة الذين يؤدون رسالتهم بصدق وإخلاص داخل المساجد المغربية. فهل هؤلاء جميعا فاقدون للحرية والضمير؟ وهل الاستقلال العلمي لا يتحقق إلا بالخروج من مؤسسات الدولة؟ هذا منطق خطير يضرب في العمق تقاليد المغرب العلمية التي قامت تاريخيا على التكامل بين العلماء والدولة، لا على الصدام بينهما.
لقد كان علماء المغرب الكبار، من أمثال القاضي عياض وأبو عمران الفاسي وأحمد زروق، يمارسون أدوارهم العلمية داخل النسق العام للأمة والدولة، ولم يكونوا يرون في التواصل مع السلطة أو العمل ضمن مؤسساتها خيانة للعلم أو تفريطا في الدين. بل إن الفقه السني المغربي تأسس على مبدأ “إمارة المؤمنين” باعتبارها مؤسسة ضامنة لوحدة الدين والمذهب والأمن الروحي، لا باعتبارها خصما للعلماء .
والمؤسف في خطاب الريسوني أنه يتبنى ـ بشكل غير مباشر ـ نزعة نخبوية احتكارية، توحي بأن “العالم الحر” هو فقط من يتبنى موقفه أو يوافق رؤيته، أما غيره فإما خائف أو مدجن أو صامت عن الحق. وهذا المنطق في حقيقته يقترب من منطق الجماعات الأيديولوجية التي تحتكر تمثيل الإسلام، وتوزع شهادات الشرعية والصدق على الناس بحسب درجة قربهم من مشروعها الفكري والسياسي.
ثم إن الحديث عن “العلماء المستقلين” يحتاج إلى قدر كبير من التدقيق؛ لأن الاستقلال الحقيقي ليس مجرد التحرر من المؤسسة الرسمية، وإنما التحرر من التوظيف الحزبي والإيديولوجي أيضا. فكثير من الذين يرفعون شعار الاستقلال يتحولون في الواقع إلى أدوات في مشاريع سياسية أو تنظيمية أو إعلامية، فيصبحون أسرى لجماعاتهم وأنصارهم ورغبات جمهورهم. والاستقلال العلمي الحقيقي هو استقلال عن الشعبوية وعن الحسابات الحزبية معا.
ومن زاوية مقاصدية، فإن أخطر ما في هذا المقال هو تغذية الشعور بالتصادم بين العلماء والدولة، لأن ذلك يفتح الباب أمام التشكيك في المؤسسات الدينية الرسمية، ويضعف الثقة العامة في المرجعية الدينية الوطنية، في وقت تعرف فيه المنطقة العربية والإسلامية موجات هائلة من التطرف والفوضى والانقسامات المذهبية. والمغرب بحكم تجربته التاريخية اختار نموذجا يقوم على توحيد المرجعية الدينية تحت إمارة المؤمنين، حماية للدين من التسييس، وحماية للسياسة من التديين الفوضوي.
ولا يعني هذا أن الوزارة معصومة من الخطأ أو أن قراراتها كلها صائبة؛ فالنقد حق مشروع، بل مطلوب، لكن النقد العلمي شيء، وتحويل الخطباء المعفيين إلى “جبهة تحرير” ضد الدولة شيء آخر. فالعالم الرباني ليس رجل مواجهة دائمة، ولا صانع استقطاب، وإنما هو رجل إصلاح وجمع للكلمة وتغليب للمصلحة العامة.
كما أن استعمال لغة التهكم في وصف الوزير بـ”وزير العزل والتوقيف” لا ينسجم مع أخلاق العلماء ولا مع أدب الاختلاف الإسلامي. فالقرآن الكريم نفسه أمر بمجادلة المخالف بالتي هي أحسن، ونهى عن السخرية والتنابز بالألقاب. وإذا كان العالم الشرعي يتحول إلى صاحب خطاب ساخر وتحريضي، فإنه يفقد جزءا من رمزيته الأخلاقية، لأن الناس تنتظر من العلماء الحكمة والوقار لا تصفية الحسابات.
ثم إن تصوير الوزارة وكأنها تحارب الدين والعلماء يناقض الواقع المغربي تماما؛ فهذه الوزارة نفسها تشرف على آلاف المساجد، وتمول التعليم العتيق، وتدعم حفظ القرآن، وتكون الأئمة والمرشدين، وترسل البعثات العلمية، وتحافظ على الهوية الدينية للمملكة. فكيف تتحول فجأة إلى عدو للدين فقط لأنها اتخذت قرارات إدارية تجاه بعض الخطباء؟ إن الإنصاف العلمي يقتضي التفريق بين نقد بعض الإجراءات وبين شيطنة المؤسسة كلها.
ومن الناحية المقاصدية أيضا، فإن فتح الباب أمام خطاب “الخطباء المحررين” قد يؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة، لأنه يشجع على خلق سلطة دينية موازية خارج الضوابط المؤسساتية، ويمنح بعض الخطباء شعورا بأن الشرعية الحقيقية تأتي من معارضة الدولة لا من خدمة المجتمع. وهذا المسار شهدت عدة دول إسلامية نتائجه الكارثية حين تحولت المنابر إلى فضاءات للاستقطاب السياسي والتحريض والتكفير.
إن العالم المسؤول لا يقيس الأمور بمنطق ردود الفعل الآنية أو الخصومات الشخصية، بل بمنطق المآلات. ومآلات هذا الخطاب ليست في صالح وحدة المجتمع ولا في صالح هيبة المؤسسة العلمية ولا في صالح استقرار التدين المغربي الوسطي. بل إنه يفتح الباب أمام تأويلات قد تستغلها تيارات متشددة لتغذية خطاب المظلومية والتمرد على المؤسسات.
وفي الختام، فإن الدفاع عن حرية العلماء لا يكون بإضعاف الدولة أو الطعن في مؤسساتها، كما أن حماية الدولة لا تكون بإلغاء النقد أو تكميم الأفواه. المطلوب هو التوازن والحكمة والاحتكام إلى المصلحة العامة. أما تحويل كل قرار إعفاء إلى معركة وجودية بين “العلماء الأحرار” و”العلماء الخاضعين”، فهو تبسيط مخلّ، لا يخدم المقاصد الشرعية الكبرى، بل يهددها.
لقد كان الأولى بالشيخ الريسوني أن يدعو إلى الحوار المؤسسي الهادئ، وأن يطالب بضمانات عادلة وشفافة في تدبير شؤون الخطباء، بدل صناعة خطاب تعبوي يزرع الشك في المؤسسات ويؤسس لثنائية الصراع بين الدولة والعلماء. لأن الأمة لا تبنى بخطابات الاستقطاب، وإنما تبنى بالحكمة، والعدل، وحفظ المصالح، وسد أبواب الفتن، وهي كلها مقاصد شرعية أعلى من الانفعالات الشخصية والخصومات الظرفية .
الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية