ألفه جمال أغماني.. بن عطا الله يقرأ كتاب "مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس"

ألفه جمال أغماني.. بن عطا الله يقرأ كتاب "مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس" جمال أغماني وسعيد عطا الله

خلال المعرض الدولي للكتاب والنشر في دورته 31، وفي سياق تقديم وتوقيع كتاب "مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس" للكاتب جمال أغماني، تفضل الأستاذ سعيد بن عطا الله بقراءة في هذا الكتاب الذي يحمل بين طياته مذكرات وشهادات وصفها واعتبرها هذا الأخير "كوثيقة لإعادة بناء الحقل السياسي" على اعتبار أن جمال أغماني وثق فيها فترات الحركات النضالية والنقابية والطلابية في علاقة بالمشهد السياسي والحزبي خلال مغرب الأمس. هو في حقيقته وثيقة للمستقبل ترصد كلفة الانتقال الديمقراطي والاجتماعي بالمملكة.  وهو وثيقة تستمد شرعيتها من قوتها المنهجية و حدودها السردية كما أوضح الأستاذ سعيد بن عطا الله.

 

إليكم قراءة الأستاذ سعيد عطا الله:

 

مقدمة:

المذكرات كوثيقة لإعادة بناء الحقل السياسي

تنبع أهمية كتاب الأستاذ جمال أغماني من كونه نتاجاً لتجربة "مثقف عضوي" سياسي ونقابي وحقوقي ذو مسار حافل في المغرب. هي أكثر من مذكرات شخصية، إذ لا يمكن مقاربة مؤلف الفاعل السياسي والأكاديمي جمال أغماني، بوصفه مجرد سرد استعادي للذات (Autobiographie)؛ بل هو في عمقه "وثيقة سوسيولوجية" تتيح للباحث تفكيك ديناميات الحقل السياسي والاجتماعي المغربي على مدى نصف قرن. حيث ينطلق الكاتب بحكم تكوينه الأكاديمي من موقع سوسيولوجي مزدوج: فهو "المشارك" الذي خبر كواليس صناعة القرار والنضال الميداني، وهو في الآن ذاته "الملاحظ" المسلح بأدوات التحليل السوسيولوجي  .تكمن أيضا القيمة العلمية للكتاب في رصده لعملية "الحراك الاجتماعي العمودي"   (Ascension Sociale) لنخبة السبعينيات والثمانينيات التي عبرت من الهوامش الشعبية لتستقر في مراكز القرار الحكومي، مما يطرح أسئلة جوهرية حول تحول الهويات السياسية وإكراهات التحديث المؤسساتي في ظل العزوف السياسي لشباب اليوم.

 

المحور الأول: إثنوغرافيا النشأة وقنوات التنشئة السياسية البديلة

تتجاوز الفصول الأولى للمذكرات طابع الحكي الطفولي لتتحول إلى دراسة "إثنوغرافية" متكاملة حول الفضاء والذاكرة في مغرب ما بعد الاستقلال. يمثل حي "القبيبات" بالرباط، الذي ترعرع فيه الكاتب، مختبراً جغرافياً واجتماعياً لتشكل الوعي الوطني الأول. من الناحية السوسيولوجية، حيث يبرز دور قنوات التنشئة الاجتماعية غير الرسمية في صياغة الذات المناضلة:

       الفضاء العام الشعبي والأسرة: يظهر ذلك من خلال رمزية مرافقة الوالدة رحمها الله في مسيرات فاتح ماي، والارتياد الجماعي لدور السينما الشعبية ("سينما زيت كريسطال")، ومشاركة التلفاز المنزلي مع الجيران كأداة للتثاقف الجمعي والتسييس غير المباشر.

       التعليم كمصعد اجتماعي: يعكس المسار الدراسي في مدارس (محمد الخامس وثانوية الحسن الثاني) دور المدرسة العمومية في إنتاج النخب وبناء قناعات الانتماء الإيديولوجي، حيث كان المدرس يلعب دور "الوسيط القيمي" الذي يربط التلميذ بأسئلة الوطن الكبرى.

 

المحور الثاني: سوسيولوجيا الحركات الطلابية والشبابية – من الاحتجاج إلى المأسسة

يشكل انخراط الكاتب في "الشبيبة الاتحادية" و"الاتحاد الوطني لطلبة المغرب"   مادة خصبة لتحليل آليات تجنيد النخب وبناء الهويات السياسية . يسلط التحليل النقدي الضوء على مفهومين أساسيين في تلك المرحلة:

1. صدمة العنف السياسي كعنصر تعبئة: شكل اغتيال القائد الاتحادي عمر بنجلون، وما تلاه من حملات اعتقال واسعة شملت قيادات الحزب والشبيبة إثر أحداث 20 يونيو 1981، محطات حاسمة في صياغة "عقيدة الصمود والتضحية" لدى جيل الاستاذ جمال أغماني

2. التنظيم الميداني : يمثل الفصل الثاني والثالث دراسة لآليات "التنشئة السياسية" داخل منظمتي الشبيبة الاتحادية والاتحاد الوطني لطلبة المغرب. يحلل ج.أغماني هنا كيف يتحول الطالب إلى فاعل سياسي من خلال العمل الميداني داخل "مقر زنقة المارشي" وحي العكاري بالرباط. هنا، لم يكن النضال مجرد تنظير إيديولوجي، بل ممارسة يومية قائمة على تفعيل الأنشطة الثقافية (أوراش العمل الصيفي، الأغنية الملتزمة، إصدار مجلات الحائط والمنشورات التنظيمية كـ "الرائد" و"النشرة")، وهي أدوات نجحت من خلالها الشبيبة في لعب دور "امتصاص الصدمات" أو"بارشوك الحزب"  بتعبير المفكر محمد عابد الجابري. 

 

المحور الثالث: حكومة التناوب و تجربة الفعل السياسي ( جدلية النضال والدولة)

الفصل الثالث من الكتاب تطرق أيضا لتجربة حكومة التناوب التوافقي في المغرب عام 1998، بقيادة الراحل عبد الرحمن اليوسفي. هذا الفصل يوثق لحظة مفصلية في التاريخ السياسي المغربي، حين انتقل تيار يساري معارض إلى سدة الحكم ضمن توافق وطني. و قد حظيت هذه الخطوة بترحيب دولي، واعتُبرت "حدثاً استثنائياً" في الحياة السياسية بالوطن العربي.  

1. حكومة التناوب : التحول التاريخي من المعارضة إلى الحكم

تناول فيه ج.أغماني التحديات النفسية والسياسية التي رافقت الانتقال الجذري لحزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" من موقع المعارضة، الذي تبناه منذ تأسيسه عام 1959، إلى موقع المسؤولية الحكومية. يصف الكاتب هذا الانتقال بأنه لم يكن "تمريناً سهلاً"، خاصة بالنسبة للقواعد الشبابية للحزب التي تشبعت بثقافة المعارضة لعقود مما تطلب إعادة صياغة كاملة للمنظومة القيمية والسلوكية للمناضلين.

يشير الكاتب إلى أن استراتيجية الحزب (منذ مؤتمر 1975) كانت تهدف الى ضمان نزاهة المشهد السياسي، ومواجهة ما وصفه بـ "الأحزاب الإدارية"، والوصول إلى دستور د يمقراطي يضمن فصل السلط والتعبير الحقيقي عن الإرادة الشعبية ما من شأنه أن يضمن :

-         إعادة توزيع القوة: الصراع هنا هو صراع سوسيولوجي بين "النخب التقليدية" (الإدارية) وبين "النخب النضالية" الصاعدة من رحم الشعب والعمل النقابي.

-         مأسسة النضال: الانتقال من "الشارع" و"النقابة" إلى "المؤسسة الدستورية" ، حيث يتم استبدال المواجهة المباشرة بآليات التفاوض المؤسساتي .

وثق ج.أغماني لعملية "الادماج السياسي" لنخبة كانت مقصية، وهي عملية معقدة تعكس رغبة الانتقال من "الرعية" إلى "المواطنة"  مبرزا مجموعة من المواقف و التوترات الطبيعية التي نتجت جراء لقاء مثالية "المعارضة" بواقعية و إكراهات "السلطة".

 من جهة أخرى تشكيل هذه الحكومة آنذاك أثار تفاؤلاً كبيراً لدى فئات واسعة من الشعب المغربي، حيث كان هناك انتظار طويل لإحداث تغيير ملموس في الأوضاع المعيشية. فالشعب لم ينظر لهذا التغيير كإجراء إداري، بل كـ "خلاص اجتماعي" لتحسين الأوضاع المعيشية، ما وضع حكومة التناوب تحت ضغط "الشرعية بالإنجاز"؛ فالمجتمع الذي عانى من التهميش أضحى يربط نجاح هذه الحكومة بمدى قدرتها على تغيير واقعه السوسيو-اقتصادي اليومي.

2. تجربة الفعل السياسي 

ينتقل الكاتب في الفصلين الخامس والسادس لتحليل "الممارسة السياسية المحلية" من خلال تجربته في مدينة سلا. يحلل الكاتب سوسيولوجيا الانتخابات في المغرب عبر رصده لتجربته الانتخابية والبرلمانية ، حيث يقدم ج. أغماني تشريحاً دقيقاً لـ بنية الحقل الانتخابي المغربي، وتكمن القوة النقدية لهذا المحور في رصد الصدام الحتمي بين نمطين من الفاعلين:

       نخبة النضال والالتزام الحزبي: التي يمثلها الكاتب، والمعتمدة على التاريخ النضالي والتجذر الشعبي العضوي وما يمثله من رأسمال  لامادي "  حين يتحول  )ولد الدرب(  إلى نائب برلماني " .

       نخبة الأعيان والشبكات الزبونية: التي تعتمد الرأسمال  المادي و النفوذ المالي و »شناقة «  المشهد السياسي كبعض المنعشين العقاريين الذين خبروا شراء الذمم  .

نشوة الفوز بمقعد برلماني سيتم إجهاضها في بداياتها ،اذ أن إلغاء المقعد النيابي للمؤلف بقرار من المجلس الدستوري لا يقدم كواقعة قانونية معزولة، بل يتم تفكيكه سوسيولوجياً بوصفه تجسيداً لـ "الهندسة السياسية" التي مارستها الإدارة لضبط التوازنات داخل المؤسسة التشريعية، وللحد من هيمنة أحزاب المعارضة آنذاك.

لا شك أن هذه التجربة القاسية قد تركت آثارا نفسية عميقة لدى الكاتب، غير أنها ستتوج، كما سنرى في الفقرة الموالية، بنجاح بارز ومتميز.

 

المحور الرابع: من منطق "الاحتجاج" إلى منطق "الدولة" و تدبير السياسات العمومية

 من مكلف بالدراسات، ثم مدير مركزي، وصولاً إلى تعيينه وزيراً للتشغيل والتكوين المهني، مساريعكس لبروزنخبة سياسية جديدة في مغرب ما بعد الانفراج السياسي(حكومة التناوب، المصالحة الوطنية،... ) وهي نخبة تجمع بين الكفاءة المهنية والالتزام السياسي. رسم فيها أغماني مساراً يكسر الصورة النمطية للمسؤول الحكومي؛ فهو لم يسقط من "فوق"، بل تدرج مهنيا قبل أن يصبح وزيراً. ما يفسر تركيزه الكبير في الفصل الثامن على ملفات تقنية واجتماعية حساسة  اذ يرجع الفضل ل ج.أغماني وزيراً، طرحه لمشاريع مهيكلة واكبت الانتقال نحو "الدولة الاجتماعية"،  نقف هنا على دور الكفاءة المهنية والالتزام السياسي ل ج.أغماني في :

 مأسسة الحوار الاجتماعي :تطوير آليات الحوار الاجتماعي خاصة اتفاق أبريل 2011 حيث.يظهر جليا كيف تم استخدام الحوار الاجتماعي كأداة سوسيولوجية لـ "السلم الاجتماعي" وتدبير الصراع الطبقي في كواليس المفاوضات مع النقابات والاتحاد العام لمقاولات المغرب.

مقاربة النوع في التدبير العمومي:  عبر تعزيز حضور النساء في مناصب المسؤولية داخل المؤسسات التابعة له ، مما يشكل محاولة لكسر "السقف الزجاجي" الذي يعيق الترقي المهني للمرأة المغربية داخل البنيات البيروقراطية للدولة.

 

المحور الخامس: الانكسار، التفكك الحزبي والخبرة العابرة للحدود

لا يتردد ج.أغماني في فصول كتابه الأخيرة في ممارسة النقد الذاتي والوقوف عند "لحظات الانكسار والتراجع" داخل نسق اليسار المغربي:

       أزمة الحزب السياسي الإيديولوجي: يحلل الكاتب ً تراجع "الظاهرة الاتحادية" ودوافع مغادرته للحزب (خاصة بعد فاجعة رحيل رفيقه أحمد الزايدي). يُرجع هذا الانكسار إلى غياب الديمقراطية الداخلية، طغيان النزعة التنظيمية الضيقة، وصراع الأجنحة، مما أدى إلى قطيعة جيلية وعجز الحزب عن استيعاب التحولات الهيكلية للمجتمع المغربي المعاصر.

       تدويل الخبرة الوطنية: تظهر مرحلة الاستشارة الدولية والاشتغال في منظمة العمل العربية كآلية لنقل وتوطين "الخبرة السوسيو-سياسية المغربية" في الفضاءين العربي والدولي، مما يوضح تحول مسارات النخبة بعد نهاية التجربة الحكومية.

 

خاتمة : مذكرات من أجل "استخلاف جيلي"

قراءة مذكرات جمال أغماني تفضي بنا إلى استنتاج جوهري: إن كتاب "مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس" هو في حقيقته وثيقة للمستقبل ترصد كلفة الانتقال الديمقراطي والاجتماعي بالمملكة. هي وثيقة تستمد شرعيتها من قوتها المنهجية و حدودها السردية :

        القوة المنهجية: يكمن في التزام الكاتب بالوضوح والنزاهة الفكرية، وقدرته الفريدة على الجمع بين حميمية السرد الشخصي وصرامة التحليل الهيكلي للملفات والمشاريع الكبرى.

       الحدود السردية:   ككل أدب مذكرات كتبه فاعل سياسي مارس السلطة، قد يسقط النص أحياناً في نزعة تبريرية لبعض الخيارات والتحالفات السياسية والتدبيرية الصعبة. غير أن المؤلف يتفادى هذا المطب بذكاء عبر اعترافه المباشر في الخاتمة بوجود "بياضات ومناطق ظل" فرضها واجب التحفظ والمسؤولية الأخلاقية والسياسية.

ختاماً، يظل هذا العمل بمثابة "جسر تواصل قيمي ومعرفي" يربط بين مغرب النضال والاحتجاج الصعب في القرن الماضي "مغرب سنوات الرصاص " ، ومغرب المؤسسات والدولة الاجتماعية الذي يتشكل اليوم هو ايضا رسالة تحفيز هامة تسائل النخب المعاصرة والشباب حول آليات الاستمرار في بناء مغرب الغد انطلاقاً من تراكمات الأمس ومكتسباته.، ما يجعله قراءة قيمة لكل مهتم بالسياسات العمومية والتاريخ السياسي للمملكة .