خالد أخازي
أشياء كثيرة لا تعجبنا في قطر، حين تؤلمنا وتزعم أنها معنا، حين تلعب الوساطة الإنسانية وتخفي نواياها، لكن حين نظمت نسخة كأس العالم، وقف كوكب الأرض بأسره وهو مشدوه أمام معادلة لم يقرأ عنها الغرب في كتب الاستشراق القديمة.
دولة عربية صغيرة الحجم، قالت للغرب بكل هدوء وثقة، إن استضافة العالم لا تعني بالضرورة خلع الجلد الحضاري عند بوابة الملاعب، ولا تتطلب تقديم وثيقة خنوع ثقافي وقيمي في حفل الافتتاح أو الختام...
هذا المقال... أتقاسمه مع وهبي...لعله يعيد النظر في مفهوم العولمة والخصوصية....
هو يذكر... وكلنا أنه في ذلك اليوم، لم تتحول الدوحة إلى نسخة مستنسخة من شوارع أمستردام المفتوحة، أو كازينوهات لاس فيغاس الصاخبة، حتى ترضي شاشات التلفزيون الغربية ومزاج المعلقين الرياضيين القادمين من وراء البحار. بل على النقيض من ذلك بشكل تام، فرضت الدولة المضيفة شطر كبير من شخصيتها الثقافية والدينية والاجتماعية على أكبر حدث رياضي فوق سطح الأرض.
ورغم كل الضغوط المستمرة وحملات التهويل والابتزاز، لم تسقط السماء على الأرض، ولم ينته العالم السعيد. الجماهير جاءت من كل فج عميق....البطولة نجحت بشكل أذهل المشككين والحاقدين. الملاعب امتلأت حتى المقعد الأخير...
سي وهبي....
العالم احتفل ورقص واكتشف ثقافة جديدة... وحتى أولئك الذين دخلوا البطولة وهم يحملون نفس استعلائي مليء بالأحكام المسبقة، خرج جزء كبير منهم وهو يعترف بأن الآخر المختلف قادر على التنظيم والإبهار دون تقديم فروض الطاعة الحضارية، ودون التنازل عن قيمهم وثوابتهم الأصيلة.
وهنا ننتقل من ضفاف الخليج إلى شواطئ المحيط الأطلسي، حيث ظهر عندنا على حين غرة تيار غريب، يبدو أنه يعاني من حساسية مفرطة تجاه كل ما هو مغربي أو محلي، وذلك بمجرد أن نسمع أن زائر أجنبي سيحط الرحال في مطارنا. لهذا كله، تبدو التصريحات والخرجات الإعلامية لصديقنا وهبي عبد اللطيف وهبي مثيرة للاستغراب بنسبة أكبر بكثير من إثارتها للجدل والنقاش. فحين يطرح النقاش حول قوانين الأسرة، أو استهلاك الخمر، أو العلاقات خارج إطار الزواج، أو ما يرتبط بالمثلية الجنسية خلال التظاهرات الرياضية العالمية المقبلة، يخرج كالعادة علينا بمنطق غريب الأطوار. هذا المنطق يوحي وكأن احترام الخصوصية المغربية صار عبء ثقيل يجب التخلص منه في أقرب مكب للنفايات الأيديولوجية، حتى لا ينزعج السائح الكوني، وحتى نضمن أن يبتسم لنا الغرب ويرضى عنا بالمطلق.
في تصريحاته المتداولة التي أثارت زوبعة من السخرية، تساءل وهبي بتهكم عجيب، هل سنطلب من رونالدو عقد الزواج، وهل سنمنع الخمر خلال المونديال... هذا التساؤل العميق، والذي يبدو أن خونا وهبي قد سهر الليالي الطوال وهو يفكر فيه وفي تداعياته الجيوسياسية الخطيرة، يكشف عن عقلية تدير الشأن العام بعقدة النقص المفرطة... فهو يبدو قلقا على راحة كريستيانو رونالدو أكثر من قلق رونالدو نفسه على راحته. وكأن النجم البرتغالي قد اتصل بوزارة العدل المغربية في وقت متأخر من الليل، وهو يبكي ويشتكي، ويطلب تطمينات كتابية قبل أن يقرر المجيء للعب أو السياحة في بلدنا السعيد.
السؤال الحقيقي والمحوري هنا ليس ماذا سيفعل رونالدو، ولا أين ستنام جورجينا، بل السؤال الملح هو، ماذا سيفعل المغرب بنفسه، وماذا سنفعل نحن بهويتنا وقوانيننا...
وهل سبق للمغرب أن كان أعمى في قوانينه بلا تكييف تقديري حسب السياق والوضعيات " الطارئة"...؟
هل صارت السيادة الثقافية والقانونية تمارس فقط من طرف الدول الغنية التي تملك الموارد الكافية لفرض رأيها، وهل المطلوب من المجتمعات المختلفة هويتها ودول مثل المغرب أن تتحول إلى مجرد فنادق ضخمة ومفتوحة في الهواء الطلق، فنادق بلا روح ولا مرجعية ولا تاريخ، فقط حتى تنال شهادة الحداثة والتقدم من لجان التفتيش الغربية ومنظمات حقوق الإنسان العابرة للحدود...؟
تخيلوا معي حجم المأساة، حيث يرى مسؤول حكومي كبير أن تطبيق القانون المغربي على تراب مغربي هو أمر يبعث على الخجل والضحك، وذلك إذا تعلق الأمر بنجم كروي أجنبي. وفق هذا المنطق الساخر، ربما يجب علينا أن نعلق العمل بالقانون الجنائي بالكامل بمجرد نزول أي سائح يملك حساب موثق على إنستغرام أو تيك توك. ربما علينا أن نوزع الخمر في بوابات الملاعب كعربون محبة وتسامح، وأن نلغي مفهوم الأسرة من القاموس بشكل تام، حتى يشعر الزائر الأوروبي وكأنه لم يغادر ضواحي مدينة باريس أو أحياء العاصمة لندن...
قطر، بكل ما يمكن أن يقال عنها، أو يوجه لها من انتقادات في مجالات أخرى، فهمت أمر أساس وبسيط للغاية، وهو أن العالم يحترم من يحترم نفسه في البداية. لم تدخل السلطات هناك في معركة صراخ أيديولوجي عقيم مع الإعلام الغربي، ولم تحول البطولة إلى خطبة دينية في مسجد، لكنها في الوقت ذاته لم تركع أمام الابتزاز الثقافي الممنهج. قالت لهم بلسان فصيح وعبارة واضحة، أنتم ضيوف عندنا، ومرحب بكم في كل وقت، لكن للمكان روحه، وللبلد قوانينه التي يجب أن تحترم. وكانت النتيجة المباشرة لهذا الموقف الحازم أن ملايين البشر من مختلف القارات تعرفوا لأول مرة على الثقافة العربية الأصيلة، بعيد عن صور الإرهاب والحروب والبؤس التي تصدرها نشرات الأخبار العالمية على مدار الساعة.
أما عندنا في هذا الركن الجميل من العالم، فيبدو في بعض الأحيان أن بعض النخب السياسية ك" صديقنا وهبي"، تتعامل مع الهوية المغربية الأصيلة كأنها شيء محرج، أو كأنها فضيحة يجب إخفاؤها والاعتذار عنها أمام الكاميرات الأجنبية. إنهم يتصرفون وكأننا ضبطنا متلبسين بارتكاب جريمة التمسك بقيمنا. الغريب والمضحك المبكي في الوقت ذاته، أن الخطاب نفسه الذي يطالب المغاربة طوال الوقت باحترام التنوع والاختلاف وقبول الآخر، يتحول بقدرة قادر إلى خطاب إقصائي وسلطوي حين يتعلق الأمر بقيم المجتمع المغربي نفسه، وبثوابته الراسخة في التاريخ.
في مقاربة وهبي ولو بحسن نية، يصبح التمسك بالخصوصية الثقافية تخلف ورجعية وظلامية، بينما يقدم التخلي عن هذه الخصوصية، والتعري من كل القيم المحلية، باعتباره قمة التحضر والتقدم والانفتاح الكوني...
هذا الانفصام في الرؤية يجعلنا نتساءل بشكل جدي، هل نحن نبني دولة مؤسسات، أم نجهز جغرافيا هجينة لإرضاء المارة والسياح.
لا أحد في المغرب يطالب بتحويل التظاهرات الرياضية الكبرى إلى محاكم تفتيش أخلاقية، ولا أحد من المواطنين أو العقلاء يدعو لمطاردة الناس في غرف الفنادق للتلصص على حياتهم الخاصة وتتبع عوراتهم. نحن شعب عرف بحسن الضيافة والكرم منذ قرون طويلة. لكن هناك فرقا شاسعا وكبيرا جدا بين الانفتاح الواعي والذكي، وبين الذوبان المهين والمذل، نعم...هناك بون شاسع بين الترحيب بالعالم كضيوف مكرمين، وبين التنازل الطوعي والمجاني عن صورة المجتمع وهويته وقوانينه، فقط لإرضاء لوبيات إعلامية عابرة للقارات تبحث عن مواد رخيصة للإثارة وجذب المشاهدات.
المغرب، بتاريخه الممتد لقرون، ليس في وضع يضطره لاستيراد كل شيء، بما في ذلك أزمات الغرب الأخلاقية والنفسية، حتى يظهر في ثوب حديث ومعاصر في عيون الآخرين. والمغرب العظيم ليس ملزم في أي وقت بإعادة صياغة قوانينه وتفكيك هويته وتدمير قيمه النبيلة، فقط لأن بعض الساسة والمثقفين يخشون نظرة الصحافة الغربية السطحية، أكثر ما يخشون فقدان الصلة والارتباط بالمجتمع الحقيقي الذي يتحدثون باسمه، والذي أوصلهم في يوم من الأيام إلى مقاعد المسؤولية المريحة.
لقد أثبت مونديال قطر بما لا يدع مجال للشك أن كوكب الأرض لا ينهار، وأن النظام الشمسي لا يختل، حين تقول دولة عربية وإسلامية أو مختلفة مع المرجعية الغربية، بصوت مرتفع، لدينا قيمنا نحن أيضا، ولدينا خطوطنا الحمراء التي لا تقبل المساومة. بل ربما للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، وعقود متتالية من الهيمنة، بدا الغرب نفسه مجبر على التعايش مع فكرة بسيطة، لكنها مزعجة لغروره المتضخم، وهي أنه ليس المركز الوحيد للأخلاق والثقافة وأنماط العيش على وجه هذا الكوكب الواسع.
وهنا بالضبط تكمن المفارقة الكبرى والمضحكة في تصريحات وهبي. فبينما كانت الدوحة تدافع بشراسة وثقة عن حقها الطبيعي في الاختلاف وهي تستضيف العالم بأسره، يظهر عندنا من يتحدث ويصرح ويشرع وكأن الطريق الوحيد المعبد نحو الحداثة يمر بشكل حتمي عبر التخفف من كل ما يجعل من المغرب مغربا أصيلا. وكأن الشرط الأساس لدخول نادي الدول المتقدمة هو أن نمسح ذاكرتنا، ونلغي قوانيننا، ونستبدل قيمنا بنسخة رديئة ومقلدة من قوانين دول أخرى لا تشبهنا في شيء.
دعونا نتعمق بعض الشيء في هذا الكابوس الذي يؤرق صديقنا وهبي ... الخوف من ألا يجد السائح كأس خمر في انتظاره. يا لها من مأساة إنسانية كبرى تستدعي إعلان حالة الطوارئ الوطنية وتنكيس الأعلام. يبدو أن بعض المسؤولين في بلادنا يعتقدون أن السائح الغربي يقطع آلاف الكيلومترات، ويركب الطائرات، وينفق أموال طائلة، فقط ليجلس في حانة في مدينة الدار البيضاء أو العاصمة الرباط، ليشرب نفس المشروب الذي كان يشربه في الحانة المجاورة لمنزله في مدينة مانشستر أو العاصمة ميونخ. يغيب عن أذهان هؤلاء أن السفر في جوهره هو اكتشاف للمختلف، وللآخر، وللثقافات المتعددة. السائح الحقيقي لا يبحث عن نسخة رديئة ومطابقة لبلده، بل يبحث عن التجربة الأصيلة والفريدة للمكان الذي يزوره ويقضي فيه وقته.
أما بالنسبة لهاجس عقود الزواج ومطاردة العشاق في ردهات الفنادق، فالأمر يثير السخرية والشفقة في الوقت نفسه... وكأن مؤسسات الدولة ومرافقها لا عمل لها سوى الوقوف طوال الليل والنهار أمام غرف الفنادق لطلب الأوراق الثبوتية من السياح. هذا التسطيح المتعمد والنقاش العبثي في الفضاء العام، يحاول أن يختزل قيم الأمة وقوانينها الجنائية والمدنية في حكايات هزلية ومواقف كاريكاتورية، لتبرير الانسلاخ الكامل من المنظومة القيمية بحجة أن العالم يتغير من حولنا. نعم، العالم يتغير، لكنه لا يتغير نحو تبني قيمنا وعاداتنا، بل يحاول فرض قيمه هو علينا بقوة الإعلام، فلماذا يجب علينا نحن في كل وقت أن نكون الطرف الضعيف الذي يتنازل ويتراجع ويعتذر عن وجوده.
نحن مقبلون في السنوات القادمة على استضافة حدث عالمي ضخم، ولا أحد من المغاربة يقلل من أهمية هذه الفرصة التاريخية للترويج لبلدنا. لكن النجاح الحقيقي في التنظيم لا يقاس بكمية التنازلات الأخلاقية والقانونية التي نقدمها على طبق من ذهب للغرب، بل يقاس بجودة البنية التحتية والملاعب وحسن التنظيم والأمن والنقل والاستقبال المتميز... لم يسبق في تاريخ بطولات كأس العالم لكرة القدم أن تم تقييم نجاح البطولة بناء على عدد الحانات المفتوحة للعموم، أو بناء على غياب القيود القانونية المحلية. حتى في الدول الغربية نفسها، توجد قوانين صارمة تمنع الشرب في الأماكن العامة والحدائق، وقوانين تضبط السلوك العام في الشوارع، ولا أحد يجرؤ على المطالبة بإلغائها من أجل عيون الجماهير الأجنبية الوافدة.
إذا كان وهبي يرى بكل اقتناع أن قوانيننا المحلية هي مجرد إحراج دولي ينتظر الفرصة المناسبة لإلغائه ومحوه، فعليه أن يراجع مفهومه للدولة والسيادة الوطنية بشكل عاجل. الدولة ليست شركة علاقات عامة وظيفتها تلميع الصورة عبر مسح الهوية وطمس المعالم، بل هي كيان سياسي واجتماعي وتاريخي يعبر عن إرادة شعبه وثقافته. وحين يتم استدعاء لاعب مثل رونالدو كحجة في نقاش دستوري وقانوني عميق، فاعلم أننا وصلنا إلى مستوى من الإسفاف السياسي يجعلنا نتأسف على الأيام التي كان فيها السياسيون يقرؤون كتب التاريخ والفلسفة، بدلا من تصفح أخبار المشاهير وفضائحهم في المجلات الصفراء.
إن تصريحات وهبي، سواء قيلت بنبرة ساخرة أو جادة، تعكس في عمقها أزمة هوية قاسية تعيشها فئة من النخب التي تتصدر المشهد السياسي اليوم. هذه الفئة تعتقد واهمة أن المواطن المغربي هو مجرد شخص قاصر يحتاج إلى إعادة تربية وتأهيل على مقاس تقارير المنظمات الدولية، وأن المجتمع يجب أن يتم تفكيكه وإعادة تركيبه ليتطابق بالمليمتر مع كتالوجات السياحة الملونة.
الرؤية الغريبة التي يروج لها الوزير بشغف، ليست حداثة على الإطلاق، بل هي مجرد نسخة باهتة وممسوخة من انبهار قديم ومتهالك، انبهار لا يزال يعتقد وهو يتوهم أن الاعتراف بنا، وبوجودنا، وبقيمتنا الحضارية، لن يحدث ولن يتحقق على أرض الواقع، إلا إذا توقفنا بشكل تام ونهائي عن أن نكون أنفسنا. ولحسن الحظ في هذه القصة المليئة بالمفارقات، فإن الشعوب دائما أذكى بكثير من نخبها العابرة، والمغرب بتاريخه العميق وعراقته الممتدة في الزمن، لن يتنازل عن روحه ليرضي مزاج مسؤول يخاف من خياله، أو ليريح بال نجم كروي لن يتذكر اسم الوزير أو شكله بمجرد أن يستقل طائرته الخاصة عائدا إلى بلاده في أمان الله.
خالد أخازي: كاتب وإعلامي