محمد براو: شركات التنمية الجهوية ورقابة المحاكم المالية.. هل يقود تحديث التدبير الترابي إلى توسيع الحكامة أم إلى إنشاء فضاءات عمومية خارج المساءلة؟

محمد براو: شركات التنمية الجهوية ورقابة المحاكم المالية.. هل يقود تحديث التدبير الترابي إلى توسيع الحكامة أم إلى إنشاء فضاءات عمومية خارج المساءلة؟ محمد براو

مدخل: النقاش الحقيقي ليس تقنيا بل دستوري ومؤسساتي

 

أعاد النقاش المرتبط بإخضاع الشركات الجهوية للتنمية لرقابة المحاكم المالية طرح واحدة من أهم الإشكالات التي تواجه الدولة الترابية بعد دستور 2011: هل تسمح متطلبات النجاعة والمرونة الاستثمارية بإحداث كيانات عمومية تتحرك خارج الرقابة القضائية المالية؟ أم أن منطق الجهوية المتقدمة والتدبير الحر يفترض، بالمقابل، تعزيزا لآليات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

 

في الواقع، لا يتعلق الأمر بخلاف تقني بسيط حول طبيعة الرقابة أو حدود تدخل المجالس الجهوية للحسابات، بل بنقاش يمس فلسفة الدولة العمومية الحديثة وحدود استعمال آليات القانون الخاص في تدبير المال العام.

 

ذلك أن الاتجاه نحو إحداث شركات جهوية للتنمية أو تحويل بعض آليات تنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة ذات طابع عمومي لا يثير، في حد ذاته، أي إشكال دستوري. بل إن هذا التوجه ينسجم مع التحولات الحديثة للتدبير العمومي التي تسعى إلى تجاوز بطء النموذج الإداري التقليدي، وتوفير مرونة أكبر في التمويل والتعاقد والإنجاز.

 

غير أن الإشكال يبدأ حين يتحول منطق المرونة إلى مبرر لتخفيف الرقابة أو تحييدها، وكأن النجاعة الاقتصادية والرقابة القضائية المالية عنصران متناقضان لا يمكن الجمع بينهما. والحال أن فلسفة دستور 2011 قامت، على العكس من ذلك، على توسيع مجال المبادرة العمومية بالتوازي مع تعميق آليات الحكامة والشفافية والمساءلة.

 

فالمال العام لا يفقد طبيعته العمومية بمجرد انتقاله إلى وعاء قانوني خاضع للقانون الخاص.

 

أولا: دستور 2011 كرس مبدأ شمولية الرقابة على المال العام

 

ينص الفصل 147 من الدستور على أن المجلس الأعلى للحسابات هو “الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة”.
ولا يمكن اختزال هذا المقتضى في مجرد توصيف مؤسساتي شكلي، لأن دلالته العميقة تتمثل في تكريس مبدأ دستوري جوهري: شمولية الرقابة على المال العام، بصرف النظر عن الشكل القانوني للجهة التي تتصرف فيه.

 

فمنطق الرقابة الدستورية الحديثة لم يعد قائما على التمييز التقليدي بين أشخاص القانون العام وأشخاص القانون الخاص، وإنما على معيارين أساسيين:

 

ومن ثم، فإن اتخاذ الشركات الجهوية للتنمية شكل شركة مساهمة لا ينفي طبيعتها الوظيفية كآلية لتنفيذ السياسات العمومية الترابية، ولا يخرجها من دائرة تدبير الموارد العمومية.

 

ولهذا، فإن محاولة استبعاد هذه الشركات من رقابة المحاكم المالية استنادا فقط إلى شكلها القانوني تطرح صعوبة دستورية حقيقية، لأنها تؤدي عمليا إلى خلق مناطق رمادية في تدبير المال العام، وهو ما يتعارض مع فلسفة دستور 2011 القائمة على ربط المسؤولية بالمحاسبة.

 

بل إن التسليم بهذا المنطق قد يفتح مستقبلا الباب أمام توسيع نموذج “الإدارة الموازية”، عبر نقل جزء متزايد من الاختصاصات والموارد العمومية إلى كيانات هجينة تتحرك خارج الرقابة الدستورية، بما يؤدي تدريجيا إلى إفراغ مبدأ المحاسبة من مضمونه العملي.

 

 

 

ثانيا: قانون المحاكم المالية حسم صراحة في خضوع الشركات الترابية لرقابة المجالس الجهوية للحسابات

 

إذا كان الدستور قد أرسى الإطار العام لشمولية الرقابة على المال العام، فإن مدونة المحاكم المالية جاءت أكثر وضوحا وحسما في هذا المجال.

 

فالمادة 117 من القانون المنظم للمحاكم المالية تنص على أن المجالس الجهوية للحسابات تتولى، طبقا للفصل 149 من الدستور، “مراقبة حسابات الجهات والجماعات الترابية الأخرى ومجموعاتها وكيفية قيامها بتدبير شؤونها”.

 

غير أن الأهمية الحاسمة تظهر خصوصا في المادة 118، التي منحت للمجالس الجهوية اختصاص مراقبة:

 

الشركات والمقاولات التي تملك فيها جماعات ترابية أو مجموعات أو هيئات أو مؤسسات عمومية خاضعة لوصاية هذه الجماعات الترابية ومجموعاتها، على انفراد أو بصفة مشتركة، بشكل مباشر أو غير مباشر، أغلبية الأسهم في الرأسمال أو سلطة مرجحة في اتخاذ القرار”.

 

وهذا المقتضى التشريعي يكاد يحسم بشكل صريح مسألة الشركات الجهوية للتنمية، لأنها تقوم أصلا على مساهمة الجماعات الترابية أو الجهات أو المؤسسات العمومية التابعة لها، وتمارس مهاما مرتبطة بتنفيذ السياسات والمشاريع العمومية الترابية.

 

بل إن المادة 148 عادت لتؤكد بشكل أكثر دقة أن المجلس الجهوي للحسابات يمارس رقابته على:

 

ومن ثم، فإن النقاش لا يتعلق بفراغ قانوني، لأن المشرع المغربي نفسه حسم منذ سنوات في مبدأ خضوع هذه الكيانات لرقابة المجالس الجهوية للحسابات.

 

ثالثا: الرقابة الحديثة ليست وصاية إدارية ولا رقابة معرقلة للاستثمار

 

يبدو أن جزءا مهما من الجدل الحالي يقوم على خلط بين مفهومين مختلفين:

 

فالرقابة التي تمارسها المجالس الجهوية للحسابات ليست رقابة قبلية تعطل القرار الاستثماري أو تحل محل المسيرين في اختياراتهم الاقتصادية، وإنما رقابة بعدية على الحكامة والأداء وحسن استخدام الموارد.

 

وهذا ما تؤكده بوضوح المادة 147 من مدونة المحاكم المالية، التي تنص على أن مراقبة التسيير تهدف إلى:

 

كما تخول المادة نفسها للمجلس الجهوي تقييم المشاريع العمومية للتحقق من مدى تحقيق أهدافها بالنظر إلى الوسائل المستعملة.

 

إننا هنا أمام رقابة استراتيجية على الأداء  (contrôle de performance)، فالمحاكم المالية الحديثة بما فيها المغربية تطبق مراقبة التسيير  Contrôle de la gestion ليس يمفهوم التسيير اليومي والإداري بل بمفهوم تدقيق نجاعة الأداء audit de performance وبالتالي لم نعد أمام رقابة وصائية أو تسييرية. كما قد يعتقد البعض عن حسن نية ولكن عن خطإ .

 

فالمجلس الجهوي لا يقرر بدل المسير:

 

وإنما يتدخل لاحقا لتقييم:

 

ولهذا، فإن تصوير الرقابة القضائية المالية باعتبارها عائقا أمام الاستثمار لا يجد له سندا حقيقيا في تطور وظائف المحاكم المالية الحديثة.

 

بل إن التجارب المقارنة تؤكد العكس: فوجود رقابة مستقلة وفعالة يعزز ثقة المستثمرين والشركاء والمؤسسات التمويلية، لأنه يضمن شفافية تدبير المشاريع العمومية ويقلل من المخاطر المرتبطة بسوء الحكامة أو ضعف التتبع المالي.

 

رابعا: التدبير الحر لا ينفصل عن المسؤولية المالية… ومكانة التأديب المتعلق بالميزانية في هندسة الرقابة

 

لا يقتصر دور المجالس الجهوية للحسابات على ممارسة رقابة تقنية أو تقييم خارجي لحسن التدبير، بل يمتد، في صميم البناء التشريعي للمحاكم المالية، إلى ممارسة اختصاص قضائي في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية. وهو اختصاص لا يمكن فهمه باعتباره مجرد آلية زجرية، بل بوصفه أحد أعمدة نظام المسؤولية المالية العمومية في بعده الترابي.

 

فبموجب المادة 136 وما بعدها من مدونة المحاكم المالية، يمارس المجلس الجهوي هذا الاختصاص في مواجهة كل من يثبت في حقه ارتكاب المخالفات المالية المنصوص عليها في المواد 54 و55 و56، داخل الأجهزة الخاضعة لرقابته، بما في ذلك الجماعات الترابية، ومؤسساتها، وكذا الشركات التي تملك فيها هذه الجماعات أو المؤسسات العمومية الجهوية والجماعية أغلبية رأس المال أو سلطة مرجحة في اتخاذ القرار، وفق ما تقرره المادة 118.

 

ويترتب عن ذلك أن المسؤولية المالية لم تعد مرتبطة فقط بالشخص العمومي التقليدي، بل أصبحت تمتد إلى الفاعلين داخل البنيات ذات الطابع المقاولاتي عندما تكون هذه الأخيرة أداة لتنفيذ السياسات العمومية الترابية أو تدبير المال العمومي.

 

وهنا تتجلى الأهمية الدستورية العميقة لهذا المقتضى: إذ إن إدراج آلية التأديب المالي ضمن اختصاصات المجالس الجهوية لا يعكس مجرد رغبة في الزجر، بل يكشف عن تصور متكامل لمفهوم التدبير الحر كما أقره دستور 2011. فالتدبير الحر لا يقوم على منطق الاستقلال عن الرقابة، بل على توسيع هامش المبادرة في تدبير الشأن الترابي في مقابل تعزيز آليات المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

 

وبذلك، فإن إخضاع مسؤولي هذه الكيانات لمنظومة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية لا يمكن اعتباره تقييدا للتدبير الحر أو مساسا به، بل هو الضمانة القانونية والمؤسساتية التي تمنع انحرافه عن مقاصده الدستورية، وتؤمن أن المرونة التدبيرية لا تتحول إلى غياب للمساءلة أو إلى إعادة إنتاج لمناطق معزولة عن الرقابة العمومية.

 

خامسا: التجربة المغربية والمقارنة تؤكدان إمكانية الجمع بين المرونة والرقابة

 

التجربة المغربية نفسها تؤكد أن الخضوع لرقابة المحاكم المالية لم يكن يوما عائقا أمام الفعالية الاقتصادية أو التدبير المقاولاتي.

 

فمؤسسات ذات طبيعة استراتيجية واستثمارية كبرى، مثل:

 

تجمع بين:

 

ولم يعتبر أحد أن هذه الرقابة مست استقلاليتها أو أعاقت قدرتها التنافسية.

 

أما على المستوى المقارن، فإن التجربة الفرنسية تبدو ذات دلالة خاصة.

 

فالغرف الجهوية للحسابات وCour des comptes تمارس رقابة فعلية على:

 

رغم خضوعها للقانون الخاص واعتمادها آليات التدبير المقاولاتي.

 

وقد استقر الفقه والقضاء المالي الفرنسيان على أن استعمال أدوات القانون الخاص لا يمكن أن يشكل وسيلة للتحلل من مقتضيات الشفافية والمساءلة المرتبطة بالمال العام.

 

خاتمة: الحكامة الحديثة لا تقوم على إضعاف الرقابة بل على تحديثها

 

إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الدولة الحديثة اليوم لم يعد هو الاختيار بين النجاعة والرقابة، لأن هذا التقابل أصبح متجاوزا نظريا وعمليا.

 

التحدي الحقيقي يتمثل في بناء نموذج جديد للرقابة:

 

فالمرونة الاستثمارية لا تعني غياب المحاسبة، كما أن التدبير الحر لا يعني إنشاء فضاءات عمومية معزولة عن الشرعية الدستورية للرقابة.

 

ولهذا، فإن الشركات الجهوية للتنمية، مهما كانت خصوصيتها المقاولاتية، لا يمكن أن تتحول إلى “جزر محصنة” خارج ولاية المحاكم المالية، لأن المال العام لا يفقد طبيعته العمومية بمجرد انتقاله إلى إطار قانوني خاضع للقانون الخاص.

 

إن المطلوب اليوم ليس تحييد الرقابة، وإنما تحديثها وتكييفها مع التحولات الجديدة للتدبير العمومي، حتى تصبح رقابة استراتيجية ذكية ترافق التنمية وتحميها في الآن نفسه:

 

وبذلك فقط يمكن تحقيق المعادلة التي أرادها دستور 2011:

 

*الدكتور محمد براو ، خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد متخصص في المحاكم المالية وباحث له عدة مؤلفات مرجعية في الموضوع منها كتابه "مسؤولية الفاعلين في التدبير العمومي امام المجلس الأعلى للحسابات" الحائز على جائزة المغرب للكتاب سنة 2018.