أحمد المطيلي
نظّمت النقابة الوطنية للأخصائيين النفسيين، بمعية أحد الأحزاب السياسية، يوما دراسيا حاشدا بمقر مجلس النواب يوم الأربعاء 29 أبريل 2026. وقد اختارت اللجنة المنظمة لهذا اليوم موضوع: "حماية الطفولة من زاوية علم النفس وتقنين مهنة الأخصائي النفسي"، لتبصير الرأي العام بالوظائف التي يضطلع بها علم النفس وعلماؤه في مقاربة الطفولة والمراهقة دراسة وتحليلا ووقاية وعلاجا. هذا ما شهدت به الكلمات الافتتاحية الضافية التي ألقاها الأمين العام للحزب ورئيس الفريق النيابي والناطق الرسمي للنقابة الوطنية للأخصائيين النفسيين. وهي كلمات تشي باهتمام متزايد بعلم النفس وتكاثر غير معهود للنفسانيين بعد أن افتتحت المسالك والفروع المتخصصة في أكثر من جامعة وطنية عامة، ناهيك عن الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية المتخصصة التي تعقد كل سنة ببلادنا.
وقد تعاقب على المنصة عدد من أساتذة الجامعات الذين دعوا إلى بسط الحديث عن حماية الطفولة وبيان الحاجة إلى الأخصائي النفسي وتعيين المهام المنوطة به في خضم التحولات العميقة والتحديات الكبرى التي تثيرها الطفرة الرقمية المتسارعة. ولم يفت أحدا منهم أن ينبه على الأخطار المحدقة التي تتهدد الأجيال الصاعدة بعد أن استشرى الإدمان الإلكتروني كالنار في الهشيم، وبالخصوص في صفوف الأحداث. وقد نجح المنظمون أيما نجاح في لم شعث المختصين النفسيين الذين تقاطروا على مجلس النواب من كل حدب وصوب حتى ضاقت القاعة بما رحبت. وقد سعدت حقا أن وجدتني في احتفاء بهيج يجمع شمل النفسانيين والنفسانيات، تفتر ثغورهم عن البسمات ويعلو وجوههم الفرح والبشر، فألتقي بمن أعرف ومن لا أعرف من الأجيال المتعاقبة من الخريجين القدامى والجدد، المدرسين والممارسين على السواء.
والحق أن الإجماع كان واضحا على التعجيل بإخراج القانون والحاجة إلى إحداث الهيئة الوطنية للأخصائيين النفسيين حفاظا على صحة المواطن وسلامته النفسية وحماية للمهنة من الأدعياء، وما أكثرهم. لكن ما يلاحظ أن ممثلي الجهات السبع للنقابة الوطنية الذين قدموا للإدلاء بشهاداتهم لم يضيفوا شيئا يذكر إلى المطالبة بإخراج القانون التنظيمي، فجاءت شهاداتهم متشابهة لا تكاد تخرج عن الإشادة والتمجيد والتنويه إلا قليلا. وعلى ذلك ظل مقترح القانون نفسه بمنأى عن كل حوار أو تدارس رغم ما يشوبه من نقائص وعيوب في أكثر من مادة. وقد يعجب المرء عند قراءته لبعض مواد القانون المقترح كيف تعامى المتعاقبون على المنصة وممثلو النقابة عن الخلط الحاصل بين التخصصات جهارا نهارا؟
لقد ورد تعريف "الأخصائي النفسي" في المادة الثانية من المقترح بأنه "كل شخص ذاتي حاصل على شهادة جامعية متخصصة في علم النفس وفق الشروط المحددة في هذا القانون، يمارس بصفة اعتيادية ومقابل أجر أو بدونه أنشطة التقييم أو التشخيص أو المواكبة أو العلاج النفسي غير الدوائي أو التدخل أو الإرشاد النفسي، وفق المعايير العلمية المعترف بها، ويكون مقيدا في السجل الوطني للهيئة". والحق أن تعريف الأخصائي بهذه الصيغة يكاد لا ينطبق إلا على الأخصائي النفسي العيادي أو المختص في الإرشاد النفسي أو المعالج النفسي. وفي ذلك ما فيه من الاستسهال لمهمة العلاج والإرشاد، فضلا عن الاستهانة ببقية التخصصات الأخرى.
وأما المادة السابعة فتنص على أن من شروط الانتساب إلى السجل الوطني للهيئة التوفر على "شهادة الماستر في علم النفس أو شهادة معادلة معترف بها"، علما بأن من الحاصلين على شهادة الماستر في علم النفس من تابع دراساته في مسالك لا صلة لها بعلم النفس. لذا كان لزاما أن ينص مقترح القانون على التوفر على شهادتي الإجازة والماستر في علم النفس.
وأما مجال العلاج النفسي فقد بلغ من التشعب والتفرع ما يجعل الممارسة الفردية غير كافية للإحاطة بكل مدارسه، من التحليل النفسي إلى العلاج المعرفي السلوكي والعلاج الأسري وغيرها. فهل يحق بعد هذا أن يُصاغ مقترح قانون دون مراعاة خصوصية كل تخصص؟
والأولى أن يُشترط تدريب تطبيقي متخصص قبل حمل صفة "المعالج النفسي". بل لم لا يقتصر لقب "الأخصائي النفسي" مستقبلا على حاملي شهادة الدكتوراه؟
لكن ما حصل بعد ذلك لم يكن في الحسبان، إذ تحولت المناقشة إلى توتر حاد بعد تدخل أحد الأخصائيين، وما رافقه من تهديد وطرد، في مشهد يناقض روح الحوار داخل مؤسسة يفترض أن تكون فضاء للنقاش الحر والمسؤول. ولو أُحسن تدبير النقاش لكان اللقاء محطة تاريخية في مسار تنظيم المهنة.
الدكتور أحمد المطيلي (نفساني عيادي ومعالج)