عبد الرحمان بووشمة
في خريف عام 1926، رست السفينة البخارية «باريس» في ميناء نيويورك حاملةً قطعة من البرونز المصقول للنحات الروماني قسطنطين برانكوز، لم يكن أحد يتوقع أن هذه المنحوتة الصغيرة المعروفة باسم «طائر في الفضاء»، ستتحول من عمل فني تجريدي إلى محور واحدة من أشهر القضايا القضائية في تاريخ الفن الحديث، وأن تدفع القانون نفسه إلى إعادة التفكير في معنى «الفن» وحدوده.
بدأت الأزمة عندما وقف مفتش الجمارك الأمريكي أمام المنحوتة في حيرة من امره، لم يلمح ريشاً ولا منقاراً ولا جناحين، بل شكلاً معدنياً انسيابياً لا يشبه الطائر في صورته التقليدية! بالنسبة للقانون الجمركي الذي يتعامل مع الأشياء باعتبارها سلعاً قابلة للتصنيف والتسعير لم يكن هذا العمل سوى قطعة معدنية مصنّعة تخضع للضرائب، وهكذا رُفض الاعتراف بها كعمل فني معفى من الرسوم، وصُنّفت باعتبارها «أداة معدنية» وفق قانون التعريفة الجمركية الأمريكي. غير أن القضية لم تكن مجرد خلاف حول مبلغ مالي بسيط، بل تحولت سريعاً إلى مواجهة فكرية وفلسفية حول تعريف الفن نفسه، فقد كان القانون ما يزال أسير تصور كلاسيكي يرى أن الفن ينبغي أن يحاكي الطبيعة ويعيد إنتاج أشكالها المرئية، بينما كان برانكوزي ينتمي إلى روح الحداثة التي تعتبر أن الفن ليس مرآة للعالم، بل محاولة لاستخلاص جوهره العميق، لم يكن يريد نحت طائر كما يبدو للعين، بل أراد تجسيد فكرة الطيران والإحساس بالخفة والانطلاق والسمو.
وهذا ما سينعكس حتى داخل قاعة المحكمة، بحيث انقسمت الآراء بين المدافعين عن الفن التقليدي وأنصار التجريد والطليعة الفنية. بعض النحاتين المحافظين اعتبروا أن العمل لا يحمل أي قيمة جمالية لأنه لا يشبه الطائر، بينما رأى المدافعون عن برانكوزي أن الفن لا يُقاس بدرجة التشابه مع الواقع، بل بقدرته على خلق تجربة جمالية وفكرية جديدة، وهكذا تحولت المحكمة إلى فضاء غير مسبوق للنقاش حول العلاقة بين الشكل والمعنى، وبين المادة والقصدية الفنية.
لقد كشفت القضية عن مفارقة عميق، فبرانكوزي أمضى ساعات طويلة في صقل البرونز ليمنحه ذلك اللمعان النقي الذي يعكس فكرته التجريدية، لكن مفتش الجمارك رأى في هذا الإتقان مجرد جودة صناعية، بدا العمل الفني بشكل مفارقة بحيث انه كان ضحيةً لاحترافيته التقنية، إذ ظهر أقرب إلى قطعة ميكانيكية مستقبلية منه إلى تمثال تقليدي يمكن التعرف على موضوعه بسهولة.
وفي خلفية هذا النقاش، كان يتردد صدى تصور فلسفي يعتبر أن الجمال لا يحتاج إلى وظيفة نفعية كي يبرر وجوده، وأن الفن يمتلك قيمة مستقلة عن الاستعمال العملي. فالقضية لم تكن فقط حول مادة من البرونز، بل حول حق الإنسان في إنتاج أشكال جمالية تتجاوز المنفعة المباشرة، وتفتح المجال للتأمل الحر وإعادة النظر في العالم.
كما كشفت المحاكمة عن سؤال آخر لا يقل أهمية: من يملك حق تعريف الفن؟ هل هو موظف الجمارك الذي يزن المادة ويحدد قيمتها التجارية ؟ أم الفنان الذي يمنحها معناها الرمزي؟ أم المؤسسة الثقافية والنقدية التي تقرر ما إذا كان الشيء يستحق أن يُعرض في متحف أو يُعامل كأثر فني؟
لقد أدرك الفنانون الطليعيون آنذاك أن المعركة الحقيقية لم تكن حول منحوتة واحدة، بل حول مستقبل الفن الحديث كله، فإذا انتصرت رؤية الجمارك، فإن كل أشكال التجريد والابتكار كانت ستصبح خارج الاعتراف الرسمي والقانوني، لذلك تحولت القضية إلى معركة دفاع عن حرية الخيال وعن حق الفنان في تجاوز القوالب الجاهزة.
وفي عام 1928، أصدرت المحكمة الأمريكية حكماً تاريخياً لصالح برانكوزي، معترفة بأن مفاهيم الفن تتطور مع الزمن، وأن العمل الفني لا يُختزل في المحاكاة الواقعية، ولقد أقرت أيضا بأن «طائر في الفضاء» عمل أصيل يحمل قيمة جمالية، رغم أنه لا يمثل طائراً بالشكل التقليدي المعروف. بذلك، لم يحصل برانكوزي على إعفاء جمركي فحسب، بل حصل الفن الحديث بأكمله على اعتراف قانوني بشرعية التجريد.
شكل هذا الحكم نقطة تحول حاسمة في العلاقة بين الفن والقانون، لأنه أكد أن «صفة الفن» ليست مجرد خاصية مادية داخل الشيء، بل وضع ثقافي ورمزي تمنحه المؤسسات الفنية والقضائية والمجتمع، ومنذ ذلك الوقت، لم يعد ممكناً اختزال الفن في مجرد مهارة تقنية أو نسخة مطابقة للطبيعة، بل أصبح يُنظر إليه باعتباره تعبيراً عن رؤية جديدة للعالم.
اليوم، وبعد قرابة قرن من تلك القضية، ما تزال الأسئلة نفسها مطروحة بأشكال جديدة في زمن الفن الرقمي والذكاء الاصطناعي، هل يمكن اعتبار عمل تنتجه الخوارزميات فناً؟ وهل تكفي الفكرة وحدها لخلق القيمة الجمالية؟ وهل ما يزال الإنسان هو المركز الوحيد للإبداع؟ إن الجدل الذي أثارته منحوتة برانكوزي في عشرينيات القرن الماضي يعود اليوم بأدوات مختلفة، لكنه يحمل الجوهر نفسه: الصراع بين الأشكال الجديدة للإبداع وبين القواعد التي تحاول استيعابها أو تقييدها.
لقد أثبتت قضية برانكوزي أن الفن يسبق دائماً القانون بخطوة، وأن الإبداع يظل مجالاً مفتوحاً لإعادة تعريف الممكن، فالفنان هو ذلك الكائن الذي يغامر بالدخول إلى مناطق لم تُسمَّ بعد، بينما يأتي القانون لاحقاً ليحاول تنظيم هذا التمرد الجمالي والفكري.
لقد ربح برانكوزي قضيته أمام الجمارك الأمريكية، لكن الرابح الحقيقي كان الفن الحديث نفسه، الذي حصل للمرة الأولى على «جواز سفر» قانوني يسمح له بعبور الحدود، ليس فقط الجغرافية، بل الفكرية أيضاً، ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال الأساسي هو: «هل يشبه هذا العمل الواقع؟»، بل أصبح: «هل ينجح في خلق معنى جديد لرؤية الواقع؟»
عبد الرحمان بووشمة، استاذ الفلسفة بالدار البيضاء