جانب من حفل التوقيع وغلاف الكتاب
شهد رواق وزارة الشباب والثقافة والتواصل ـ قطاع الثقافة ـ خلال أيام المعرض الدولي للكتاب والنشر، لقاءا ثقافيا مائزا، بحضور أحد ركائز مجموعة ناس الغيوان، ويتعلق الأمر بالفنان المغربي الكبير عمر السيِّد، الذي أضفى بحضوره، على لحظة تقديم الإصدار الجديد للباحث الأستاذ مصطفى غُباري الموسوم بـ "ناس الغيوان صحبة عمر السيد" دفء خاصا بشخصيته المرحة والصريحة وشهادته الصادقة في سياق التوثيق والنبش والبحث في مسار رحلة مجموعة ناس الغيوان التراثية.
اللحظة المميّزة التي واكبتها جريدة "أنفاس بريس" بحضور ثلة من المهووسين بالظاهرة الغيوانية، إلى جانب نساء ورجال الإعلام والصحافة الوطنية، وهم يصغون إلى تقديم أرضية الصحفي عزيز المجدوب، ومفاتيح أسئلته الموجهة للكاتب مصطفى غباري، فتحت شهية المتلقي أثناء تقديم وتوقيع إصدار "ناس الغيوان صحبة عمر السيد" الذي صدر عن دار الثقافة للنشر والتوزيع، في حضرة المهتمين بالظاهرة، من جمهور مَجْمَعْ وَلَمَّةْ أحباب الغيوان الذين يدفعهم الفضول لتقفي أثر الإبداع واكتشافه، سواء من الجيل الحالي أو الجيل الذي عاصر ظاهرة المجموعات الغيوانية.
كتاب استثنائي من حيث المضمون وأسلوب الكتابة:
اعتبر المجدوب في حديثه عن الإصدار بأن الكتاب الاستثنائي من حيث مضمونه، يسلط الضوء على مسار واحد من أعمدة تجربة مجموعة ناس الغيوان، "التي بدت كظاهرة بمفهومها السوسيولوجي، علما أنها ظاهرة انبثق فيها الفعل الفني والثقافي للحركة الجماعية لذات المجموعة الموسيقية والغنائية بين الشباب المنحدرين من أوساط اجتماعية، ينتمون إلى مجالات جغرافية مختلفة بالمغرب، لكنهم توحدوا فوق رقعة تراب الحي المحمدي بالدار البيضاء، ويمثلون آنذاك مغربا مصغرا" حسب تعبير الزميل عزيز المجدوب
وقال عن تجربة ناس الغيوان، بأنها اتسمت منذ انبثاقها خلال نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، بـ "طابعها الجماعي". فكانت أغلب الدراسات والبحوث التي تناولت بالدرس والتحليل تجربة ناس الغيوان، "تحاول تسليط الضوء عليها من زاوية جماعية" يوضح المجدوب، الذي استدرك قائلا "لقد ظلت المسارات الفردية لصناع التجربة الغيوانية بمفهومها الموسع دائما عصية على القبض والإمساك من طرف الباحثين. باستثناء تجارب كانت محدودة وخاصة بعض التجارب لرواد المجموعة الغيوانية مثل تجربة المرحوم العربي باطما في سيرته الذاتية حيث وثق لجوانب من مساره الشخصي وفي علاقته ببقية أفراد مجموعة ناس الغيوان". دون أن يغفل الحديث عن "بعض الكتابات الصحفية التي تناولت مذكرات بعض أعمدت هذه التجربة، مثل المرحوم عبد الرحمان قيروش "باكا"، والدرهم والسوسدي".
الكتاب ترجمة لعشرة طويلة مع مجموعة ناس الغيوان:
عن الكاتب مصطفى غباري قال المجدوب "هو أصلا إنسان غيواني، وواحد من المفتونين بمجموعة ناس الغيوان والمدافعين عنها قبل أن تربطه علاقة شخصية بالفنان عمر السيد ما يقارب 45 سنة، استطاع من خلالها أن يراكم مجموعة من المعطيات ويخترق الدائرة الضيقة والمختبر السري لناس الغيوان، بعد أن واكب مجموعة من الألبومات والأغاني، ورافق الفنان عمر السيد واطلع على جوانب خفية من سيرته التي حاول أن يوثق جوانب منها"
المؤلف يسلط الضوء على جوانب خفية من حياة أفراد مجموعة ناس الغيوان:
تحدث الكاتب مصطفى غباري عن عمر السيد الإنسان قبل الفنان، عمر الآخر، خارج مجموعة ناس الغيوان، في محاولة لإبراز شخصيته وصورته الحقيقية وجوهر معدنه الخالص، وكيفية تفاعله مع محيطه الاجتماعي والفني، فكان هدفه من التوثيق هو إبراز وتفسير سلوكات عمر المناضل والمسؤول، وتسلطي الضوء على عمر السيد رجل المروءة، عاشق الحياة...كل هذه الصفات عاشها الكاتب وتتبع مسارها فكانت حقيقة عصارة كتاب استغرق وقتا طويلا، بعد أن عاش أسرارهم التي أودعوها في عقله وقلبه، فكان العمل يستحق الكشف عن مضمون أوراقه لأول مرة في كتاب "ناس الغيوان صحبة عمر السيد" وتسليط كشافات الضوء على أسلوب حياة ناس الغيوان، كيف يعيشون، طريقة جلساتهم الفنية وأحاديثهم الثقافية، علاقاتهم مع المجتمع المغربي وخصوصية علاقاتهم الشخصية فيما بينهم. والكشف عن طرق تفكيرهم وقناعاتهم ومبادئهم.
حسن نجمي يتحدث عن "الشجرة السامقة":
في سياق متصل كشف مصطفى غباري عن أسباب نزول كتاب "ناس الغيوان صحبة عمر السيد" مؤكدا على أن هذه المغامرة جاءت بتحريض من الشاعر والكاتب الدكتور حسن نجمي الذي اعتبره دافعا قويا فتح شهية التوثيق والسفر نحو الكتابة. حيث وجه له شكرا وتقديرا خاصين على تحفيزه للكتابة والتوثيق.
"الشجرة السامقة" هو مدخل لتقديم خصه الكاتب والشاعر حسن نجمي لكتاب مصطفى غباري حيث يقول في إحدى فقراته: هذا الكتاب البسيط، الحي، التلقائي، الهادئ، الناعم يقدم شهادة شخصية حول ـ المختبر الغيواني ـ عن كثب بل من داخله، وهي شهادة مثقف مغربي اقترب كثيرا من عناصر مجموعة ناس الغيوان، وخصوصا ـ وأساسا ـ من الصديق الفنان عمر السيد، أحد أركان البيت الغيواني.
وأكد نجمي في تقديمه للكتاب متحدثا عن المؤلف، إنه صديق معجب، ولكنه ليس كالمعجبين الآخرين الكثر الذين يتداولون ما يسمعون عن الغيوان تلقائيا، وأحيانا دون حرص أو تمحيص أو تدقيق أو تحرّ.
وعن هوس الكاتب وعشقه لناس الغيوان أورد نجمي في تقديمه لكتاب مصطفى غباري بأنه معجب قريب إلى حبل الوريد الغيواني، يعرف أخبار الغيوان وجديدهم وقديهم مثلما يعرف مجريات حياتهم اليومية. ولكنه لا يثرثر في الجنبات، ولا يفشي أسرار، ولا يخلط بين المسافات...وأن أن هذا الكتاب الذي يتناول مسار ناس الغيوان من داخله، فضلا عن كتب أخرى أساسية صدرت في الفترة الأخيرة بالعربية والفرنسية والإنجليزية ـ وليس كل ما صدر بالطبع ـ يعيد هذه المجموعة إلى النقاش والتأمل والحوار حول سيرورتها، وكذا حول مآلها. وهو ما أهنئ عليه أخي وصديقي الأستاذ مصطفى غباري... الذي آثر أن يكتب عن مجموعة ناس الغيوان من داخلها. وهو ما كنا نفتقده بالتأكيد من قبل، أشكره وأهنئه بهذا المنجز الجميل.
المؤلف والفنان يتقاسمان خاصية التواضع والجنوح للظل:
من جهة أخرى أكد عزيز المجدوب على أن المؤلف مصطفى غباري يتقاسم مع المحتفى به الفنان عمر السيد خاصية وميزة التواضع والجنوح نحو الظل، وسجل بأنه تفاجئ بأسلوب الكتابة لدى الكاتب الذي اكتشفه عن طريق عمر السيد حيث لاحظ خلال جلساتهم بأنه شخص منطوي خجول وكتوم، وكان دائما يلوذ إلى الصمت، رغم موهبته ومعرفته القوية بمسار مجموعة ناس الغيوان على جميع المستويات الثقافية والفنية والتراثية والاجتماعية والإنسانية، بل أن مصطفى غباري كان رجلا ملما بخبايا المتن الغيواني. خاصة في مجال النصوص والألحان وتوثيق الذاكرة الغنائية لناس الغيوان.
في هذا السياق يؤكد المجدوب أنه بعدما توصل بنسخته من الإصدار، أذهل بأسلوب وطريقة الكتابة، التي جدبته إلى عوالم الكاتب حيث فوجئ بالطاقة والروح التي كتب بها كتاب "ناس الغيوان صحبة عمر السيد" والذي لن يُكِتَبَ إلا بهذه الطريقة، وأشار في ختام اللقاء بأن عمر السيد كان يتمنى أن يكتب عنه بهذه الصيغة والطريقة التي سلكها المؤلف. علما أن عمر السيد كان يتهرب من كتابة سيرة خاصة به وعنه.