عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية
تطرح الممارسة الترابية إشكالا حقيقيا في فهم اختصاصات العامل والوالي. فالنصوص القانونية تمنح الولاة والعمال موقعا مركزيا في تمثيل الدولة، تطبيق القانون، ممارسة المراقبة الإدارية، ومساعدة الجماعات الترابية على تنفيذ البرامج التنموية. لكن الواقع يكشف أن هذه الاختصاصات لا تُمارس بنفس الطريقة في كل العمالات والأقاليم والجهات.
فهناك عامل أو والٍ يقرأ اختصاصاته قراءة واسعة، فيتحرك داخل مجال التنمية، ينسق بين المصالح الخارجية، يدفع المشاريع المتعثرة، يستدعي الفاعلين، يتابع الاستثمار، ويحتل مساحة واسعة في القرار الترابي. وفي المقابل، هناك عامل أو والٍ يقرأ اختصاصاته قراءة ضيقة، فينحصر دوره في التوقيع، المراقبة الشكلية، استقبال التقارير، وتدبير اليومي الإداري من داخل المكتب.
هذا التفاوت لا يعود فقط إلى اختلاف الشخصيات، بل إلى طبيعة النصوص نفسها، لأنها موزعة بين الدستور، القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، النصوص القديمة المنظمة لاختصاص العامل، وميثاق اللاتمركز الإداري. الفصل 145 من الدستور ينص على أن الولاة والعمال يمثلون السلطة المركزية، ويسهرون على تطبيق القانون وتنفيذ مقررات الحكومة، ويمارسون المراقبة الإدارية، ويساعدون رؤساء الجماعات الترابية على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية. كما أن القوانين التنظيمية للجماعات الترابية لسنة 2015 كرست الجهوية المتقدمة والتدبير الحر، لكنها أبقت على دور العامل والوالي داخل منظومة المراقبة والتنسيق.
أولا: لماذا تُقرأ اختصاصات العامل والوالي بطرق مختلفة؟
السبب الأول هو أن النصوص لا تقدم دائما لائحة دقيقة ومغلقة لاختصاصات العامل والوالي في مجال التنمية. فهي تستعمل عبارات واسعة مثل: “تمثيل السلطة المركزية”، “تطبيق القانون”، “تنفيذ مقررات الحكومة”، “المراقبة الإدارية”، “مساعدة رؤساء الجماعات الترابية”، و“تنسيق المصالح اللاممركزة”. هذه العبارات تحتمل أكثر من تأويل.
فالعامل صاحب القراءة الواسعة يعتبر أن “مساعدة الجماعات” تعني المبادرة، التتبع، اقتراح الحلول، تحريك المصالح الخارجية، الضغط الإيجابي لإنجاز المشاريع، وربط المنتخبين بالإدارة المركزية. أما العامل صاحب القراءة الضيقة فيعتبر أن “المساعدة” لا تعني التدخل إلا عند الطلب، وأن التنمية شأن المنتخبين والمصالح القطاعية، وأن دوره ينحصر في السهر على القانون والنظام العام.
السبب الثاني هو تداخل الاختصاصات بين الدولة والجماعات الترابية. فالجهة لها برامجها، والعمالة أو الإقليم له اختصاصات اجتماعية، والجماعة لها اختصاصات قرب، والمصالح الخارجية للدولة لها برامج قطاعية. هذا التداخل يجعل العامل أو الوالي أمام مجال واسع للحركة، لكنه في الوقت نفسه قد يجعله مترددا خوفا من تجاوز اختصاصات المنتخبين أو القطاعات الحكومية.
السبب الثالث هو أن الميثاق الوطني للاتمركز الإداري وسع من منطق التنسيق الترابي، إذ جعل اللاتمركز وسيلة لمواكبة الجهوية المتقدمة وتقوية التكامل بين المصالح اللاممركزة للدولة والجماعات الترابية. غير أن هذا الميثاق لا يلغي الحاجة إلى تحديد عملي دقيق: ما الذي يقرره الوالي؟ ما الذي ينسقه؟ ما الذي يراقبه؟ وما الذي لا يجوز له أن يحل فيه محل المنتخبين؟
ثانيا: نتائج القراءة الواسعة لاختصاصات العامل والوالي
القراءة الواسعة قد تكون إيجابية عندما تتحول إلى قيادة ترابية فعالة. ففي أقاليم كثيرة، لا تتحرك التنمية إلا بوجود عامل أو والٍ قادر على جمع الفاعلين حول طاولة واحدة. فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى طرق، عقار، تراخيص، تمويل، مصالح تقنية، جماعات، مستثمرين، ومؤسسات عمومية. وإذا غاب التنسيق، تتوقف المشاريع بسبب مراسلة، رخصة، نزاع عقاري، أو ضعف التواصل بين الإدارات.
في هذه الحالة، يصبح العامل أو الوالي “مسرّعا للتنمية”. لا لأنه يعوض المنتخبين، بل لأنه يملك قدرة مؤسساتية على التنسيق والضغط الإداري المشروع. وهذا الدور ينسجم مع فلسفة اللاتمركز التي تهدف إلى تقريب القرار الإداري وجعل الدولة أكثر فعالية على المستوى الترابي.
لكن القراءة الواسعة قد تنتج أيضا آثارا سلبية إذا تحولت إلى هيمنة إدارية على القرار التنموي. فقد يصبح العامل أو الوالي هو الفاعل الحقيقي في التنمية، بينما تتحول المجالس المنتخبة إلى مؤسسات للمصادقة أو التزكية. وهنا يظهر إشكال المساس بمبدأ التدبير الحر، الذي تقوم عليه القوانين التنظيمية للجماعات الترابية. وقد أشارت المديرية العامة للجماعات الترابية إلى أن هذه القوانين جاءت لتحقيق تنمية جهوية مندمجة ومستدامة وتحديث تدبير هياكل الدولة في إطار الجهوية المتقدمة.
لذلك، فالقراءة الواسعة ليست مشكلة في حد ذاتها، بل تصبح مشكلة عندما تنتقل من التنسيق إلى الحلول محل المنتخبين، ومن المواكبة إلى التحكم، ومن حماية الشرعية إلى صناعة القرار السياسي المحلي.
ثالثا: نتائج القراءة الضيقة لاختصاصات العامل والوالي
في المقابل، القراءة الضيقة تنتج نوعا آخر من الاختلال. فعندما يكتفي العامل أو الوالي بدور إداري بارد، تتعطل وظيفة التنسيق. وقد نجد إقليما يعيش مشاكل في الطرق، الماء، الصحة، الاستثمار، التعليم أو السكن، ومع ذلك لا يظهر للعامل أو الوالي أثر واضح في تعبئة المصالح أو دفع الحلول.
هذه القراءة الضيقة تؤدي إلى ثلاث نتائج مقلقة.
أولا، بطء المشاريع التنموية، لأن كل قطاع يشتغل بمنطقه الخاص، وكل جماعة تنتظر جوابا من إدارة أخرى، ولا توجد سلطة ترابية تجمع الخيوط.
ثانيا، ضعف ثقة المواطنين في الدولة. فالمواطن لا يميز دائما بين اختصاص الجماعة، الإقليم، الجهة، الوزارة، أو المؤسسة العمومية. هو يرى فقط أن مشكلا قائما لم يُحل. وعندما يغيب العامل أو الوالي عن الميدان، يبدو كأن الدولة غائبة.
ثالثا، اتساع الفوارق بين الأقاليم. فإقليم يقوده عامل نشيط قد يعرف دينامية قوية، بينما إقليم آخر يقوده عامل متحفظ قد يبقى في حالة ركود، رغم أن النصوص القانونية واحدة. وهذا أخطر ما في تفاوت القراءة: أن التنمية تصبح مرتبطة بشخص المسؤول أكثر من ارتباطها بوضوح المؤسسة.
رابعا: بين النص والشخص: أين تكمن المشكلة؟
المشكلة ليست فقط في العامل أو الوالي، بل في غياب نص جامع وواضح يترجم الاختصاصات إلى وظائف عملية. فالنصوص الحالية تحدد المبادئ العامة، لكنها لا تقدم دائما “دليلا عمليا” يوضح حدود التدخل في التنمية.
لدينا نص دستوري عام، وقوانين تنظيمية للجماعات الترابية، وظهير قديم متعلق باختصاصات العامل، وميثاق للاتمركز، ونصوص قطاعية متعددة. فالظهير المتعلق باختصاصات العامل لسنة 1977 مثلا يعتبر العامل مندوب الحكومة في العمالة أو الإقليم، ويسهر على تطبيق القوانين والأنظمة وتنفيذ قرارات وتوجيهات الحكومة. لكن هذا النص ينتمي إلى سياق سابق على دستور 2011 والجهوية المتقدمة، مما يخلق أحيانا توترا بين منطق السلطة الترابية التقليدية ومنطق الحكامة الترابية الحديثة.
لهذا تظهر قراءات متعددة:
قراءة سلطوية تعتبر العامل أو الوالي صاحب القرار الترابي الأعلى.
قراءة تنسيقية تعتبره محفزا وميسرا دون أن يحل محل المنتخبين.
قراءة قانونية ضيقة تحصره في المراقبة وتطبيق النصوص.
قراءة تنموية واسعة تجعله قائدا فعليا للبرامج والمشاريع.
وقراءة احترازية تجعله يتجنب المبادرة خوفا من المساءلة أو الاصطدام بالمنتخبين أو القطاعات.
خامسا: هل نحتاج إلى نص موحد لاختصاصات العامل والوالي؟
نعم، هناك حاجة واضحة إلى نص موحد، ليس بالضرورة لتوسيع سلطة العامل والوالي، بل لتوضيحها وترشيدها. فالمشكل اليوم ليس فقط في وجود سلطة واسعة أو ضيقة، بل في أن حدود هذه السلطة غير مقروءة بنفس الطريقة.
ينبغي أن يكون هذا النص الموحد بمثابة “مدونة اختصاصات الوالي والعامل”، تجمع المقتضيات المتفرقة وتعيد صياغتها وفق دستور 2011 والجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. ويجب أن يميز بين خمسة أنواع من الاختصاصات:
أولا، اختصاصات تمثيل الدولة وتطبيق القانون.
ثانيا، اختصاصات الأمن والنظام العام.
ثالثا، اختصاصات المراقبة الإدارية على الجماعات الترابية.
رابعا، اختصاصات التنسيق بين المصالح اللاممركزة.
خامسا، الاختصاصات التنموية: المواكبة، التتبع، التحفيز، حل التعثرات، وتتبع تنفيذ البرامج دون الحلول محل المجالس المنتخبة.
والأهم أن يحدد النص الموحد ما لا يدخل في اختصاص العامل والوالي. فالقانون الجيد لا يحدد فقط ما يجوز، بل يحدد أيضا ما لا يجوز. وهذا ضروري لحماية المنتخبين من تدخل غير مشروع، وحماية العامل أو الوالي من اتهامه بالتقصير إذا كان المجال لا يدخل في اختصاصه.
سادسا: مضمون النص الموحد المقترح
ينبغي أن يقوم النص الموحد على فلسفة دقيقة: العامل والوالي ليسا بديلين عن الديمقراطية المحلية، وليسا مجرد مراقبين سلبيين، بل هما سلطة دولة للتنسيق وضمان الشرعية وفعالية السياسات العمومية.
لذلك يمكن أن يتضمن النص الموحد المبادئ التالية:
تحديد واضح لمفهوم “المساعدة” الوارد في الفصل 145: هل هي تقنية؟ إدارية؟ تنسيقية؟ إلزامية؟ اختيارية؟ وهل يمارسها العامل تلقائيا أم بطلب من رئيس الجماعة؟
تحديد آليات التنسيق: اجتماعات دورية إلزامية مع المصالح اللاممركزة، محاضر تتبع، آجال لمعالجة التعثرات، ولوحات قيادة للمشاريع.
تحديد حدود العلاقة مع المنتخبين: لا يجوز للعامل أو الوالي أن يحل محل المجلس المنتخب في الاختيارات السياسية والتنموية، لكنه يستطيع تنبيه المجلس إلى عدم المشروعية، واقتراح آليات للتنسيق، وإحالة النزاعات إلى القضاء أو الجهات المختصة.
تحديد مسؤولية العامل أو الوالي في المشاريع المتعثرة: هل يكتفي بالتقرير؟ هل يملك سلطة إلزام المصالح الخارجية؟ هل يرفع الأمر إلى الوزارة؟ هل ينشر تقارير دورية؟
تحديد علاقة الوالي والعامل بالمصالح اللاممركزة في إطار ميثاق اللاتمركز. فالوزارة المكلفة بإصلاح الإدارة تؤكد أن الميثاق يهدف إلى مواكبة التنظيم الترابي اللامركزي القائم على الجهوية المتقدمة وضمان نجاعته وفعاليته. وهذا الهدف لا يتحقق إلا إذا عُرفت بدقة سلطة الوالي والعامل تجاه هذه المصالح.